عربي
تصاعدت حدة التوترات الاقتصادية بين الولايات المتحدة والصين قبيل القمة المرتقبة بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ في مايو/ أيار 2026، مع اتهامات أميركية مباشرة لبكين بأنها "شريك غير موثوق به" في ظل الحرب الدائرة في المنطقة. وقال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت أمس الثلاثاء إن الصين أظهرت أنها شريك عالمي غير موثوق به خلال الحرب بسبب تكديس إمدادات النفط وتقليص صادرات سلع معينة، تماماً مثلما فعلت بتخزين الإمدادات الطبية خلال جائحة كورونا. وأضاف بيسنت للصحافيين، وفق رويترز، أنه تحدث مع مسؤولين صينيين في هذا الموضوع.
وتأتي هذه التصريحات في وقت يشهد فيه سوق الطاقة العالمي اضطرابات حادة نتيجة الحرب في المنطقة، ما يزيد من حساسية أي تحركات تتعلق بالإمدادات، خصوصاً من جانب الصين التي تُعَدّ أكبر مستورد للطاقة عالمياً. ويرى مراقبون أن اتهام بكين بتكديس النفط يعكس مخاوف أميركية من استخدام الموارد لتكون أداة ضغط غير مباشرة، في ظل ارتفاع الأسعار وتقلب الإمدادات.
القمة مستمرة رغم الخلافات
ولم يرد بيسنت على سؤال عما إذا كان الخلاف سيعرقل خطة ترامب لزيارة بكين في نهاية الشهر، لكنه قال إن ترامب ونظيره الصيني شي جين بينغ تربطهما علاقة عمل جيدة للغاية. واستطرد بيسنت قائلاً: "أعتقد أن رسالة الزيارة هي الاستقرار. شهدنا استقراراً كبيراً في العلاقات منذ الصيف الماضي، وهذا الاستقرار ينبع من القمة إلى القاعدة... أعتقد أن التواصل هو العامل الأساسي". ويشير هذا الموقف إلى أن الإدارة الأميركية لا تزال متمسكة بعقد القمة، حتى في ظل تصاعد التوترات، وهو ما يتسق مع تصريحات سابقة لمسؤولين أميركيين أكدوا أن الهدف من اللقاء يتمثل بالحفاظ على الاستقرار وتجنب التصعيد.
بينما تسعى واشنطن وبكين لاحتواء التدهور في علاقاتهما الاقتصادية، حذر وزير الخزانة الأميركي الأسبق من أن استمرار الحرب في المنطقة قد يؤدي إلى تعطيل انعقاد القمة
وتكشف تصريحات وزير الخزانة الأميركي عن تناقض واضح في الخطاب السياسي قبل القمة، حيث تتزامن الاتهامات الاقتصادية الحادة مع تأكيدات رسمية لأهمية الاستقرار والتواصل. فمن جهة، تتهم واشنطن بكين بسلوك غير موثوق، ومن جهة أخرى تؤكد أن الهدف من القمة هو الحفاظ على الاستقرار، ما يعكس تعقيد العلاقة بين البلدين في هذه المرحلة، وسط تداخل غير مسبوق بين ملفات الحرب في المنطقة والتوترات التجارية والتكنولوجية بين أكبر اقتصادين في العالم، إلى جانب الضغوط الاقتصادية العالمية، وخصوصاً الناتجة من تأثيرات الحرب بأسواق الطاقة والتضخم والنمو.
وبينما تسعى واشنطن وبكين لاحتواء التدهور في علاقاتهما الاقتصادية، حذر وزير الخزانة الأميركي الأسبق من أن استمرار الحرب في المنطقة قد يؤدي إلى تعطيل انعقاد القمة، مشيراً إلى أن بكين تبدي استياءً متزايداً من التصعيد العسكري الأميركي، لكنها لا تزال منفتحة على الحوار مع واشنطن.
فجوة ثقة
وقال المسؤول الأميركي السابق في مقابلة مع "فوكس بيزنس"، أمس الثلاثاء، إن العلاقة بين الولايات المتحدة والصين بلغت درجة من التشابك تجعلها عرضة لما وصفه بـ"اضطراب اقتصادي متبادل مؤكد"، موضحاً أن كل طرف يمتلك أدوات قادرة على إرباك اقتصاد الطرف الآخر إذا خرجت المنافسة عن السيطرة. وأضاف أن فجوة الثقة بين البلدين لا تزال كبيرة، مؤكداً أن الطرفين منافسان اقتصادياً بدرجة عالية، وخصمان في القضايا العسكرية، وهو ما يجعل القمة المرتقبة أقرب إلى محاولة إدارة الصراع بدلاً من حسمه.
وأشار إلى أن أي انزلاق نحو حرب تجارية شاملة سيكون مكلفاً للطرفين، قائلاً: "لا يمكن لأي دولة تحمّل حرب تجارية الآن… وإذا خرجت الأمور عن السيطرة، فسيمتد ذلك إلى الاقتصاد العالمي. وفي مؤشر على حساسية المرحلة، التقى الرئيس الأميركي السفير الأميركي لدى الصين، أمس الثلاثاء، في إطار التحضير للقمة المرتقبة، حيث ركز الاجتماع على تقييم مسار العلاقات الثنائية والتوترات الإقليمية.
وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض إن الرئيس الأميركي يتطلع إلى مناقشة آخر مستجدات العلاقات الأميركية - الصينية، بما في ذلك التحضيرات للزيارة المرتقبة لبكين، في إشارة إلى أن القمة تدار على أعلى مستوى سياسي قبل انعقادها. وجاء هذا الاجتماع بعد إعلان الولايات المتحدة فرض حصار بحري على مضيق هرمز، وهو ما يضع الصين في موقع حساس بوصفها أكبر مستورد للنفط الإيراني، ويزيد من احتمالات الاحتكاك المباشر بين القوتين الاقتصاديتين.
على الصعيد الاقتصادي، تأتي القمة في ظل هدنة جمركية مؤقتة بين البلدين، بعد أن شهد عام 2025 تصعيداً حاداً دفع الرسوم المتبادلة إلى أكثر من 100%، قبل خفضها إلى نحو 30%
وفي المقابل، انتقدت الصين الحصار الأميركي بشدة، وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية إن هذه الخطوة ستؤدي إلى تفاقم المواجهة وتصعيد التوتر وتقويض وقف إطلاق النار الهش، مضيفاً أنها خطيرة وغير مسؤولة. ويشير هذا التصريح إلى تمسك بكين بخيار التهدئة، خصوصاً في ظل اعتمادها الكبير على استقرار تدفقات الطاقة، في وقت تتجنب فيه الانجرار إلى مواجهة مباشرة مع واشنطن.
هدنة تجارية هشة قبل القمة
على الصعيد الاقتصادي، تأتي القمة في ظل هدنة جمركية مؤقتة بين البلدين، بعد أن شهد عام 2025 تصعيداً حاداً دفع الرسوم المتبادلة إلى أكثر من 100%، قبل خفضها إلى نحو 30% من الجانب الأميركي و10% من الجانب الصيني. لكن هذه الهدنة لا تزال هشة، وفق "فوكس نيوز"، حيث لم تحل الخلافات الأساسية المتعلقة بالتكنولوجيا، وإتاحة الأسواق، والأمن القومي، ما يجعل القمة المقبلة فرصة لتحديد ما إذا كانت هذه التهدئة ستستمر أو ستنهار.
وفي هذا السياق، أكد الممثل التجاري الأميركي، جاميسون غرير، أن إدارة ترامب لا تسعى لتصعيد المواجهة مع الصين، بل تهدف إلى الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي، قائلاً: "ما لا نبحث عنه هو مواجهة ضخمة". وأضاف، وفق رويترز، أن العلاقة التجارية بين البلدين مستقرة، وأن الهدف من القمة الحفاظ على هذا الاستقرار، مع ضمان استمرار تدفق المعادن الأرضية النادرة من الصين إلى الولايات المتحدة.
وتُعَدّ المعادن الأرضية النادرة أحد أبرز الملفات المطروحة قبل القمة، حيث ناقش المسؤولون الأميركيون والصينيون هذا الملف في اجتماعات سابقة، وسط مخاوف من استخدامه ورقةَ ضغط اقتصادية. وأشار غرير إلى أن بلاده تعمل على تأمين إمدادات بديلة، لكنها لا تزال تعتمد كثيراً على الصين في هذا المجال، ما يمنح بكين نفوذاً إضافياً في المفاوضات. وكشف المسؤول الأميركي عن مقترح لإنشاء مجلس تجارة بين البلدين، يهدف إلى تحديد حدود التبادل التجاري دون تجاوز الخطوط الحمراء المرتبطة بالأمن القومي، إضافة إلى مناقشة إنشاء آلية منفصلة لمعالجة قضايا الاستثمار. وتعكس هذه المقترحات توجهاً نحو وضع قواعد لإدارة التنافس بدلاً من إنهائه، في ظل إدراك الطرفين لصعوبة الفصل الكامل بين اقتصاديهما.
تحول هادئ في سياسة ترامب تجاه الصين
وفي سياق ذات صلة، أشارت صحيفة "وول ستريت جورنال"، الخميس الماضي، إلى تحول ملحوظ في نهج الإدارة الأميركية تجاه الصين، حيث جرى التراجع عن عدد من السياسات المتشددة التي طبقت في الولاية الأولى لترامب. وقالت الصحيفة، عندما قدم مسؤولون في البنتاغون للرئيس ترامب في الخريف الماضي مسودة وثيقة استراتيجية دفاعية بيروقراطية، كانت تصف الصين كما جرت العادة طوال عقد كامل: التهديد الأمني الأول الذي يواجه الولايات المتحدة.
لكن ترامب اعترض على ذلك، وأمر نائبه في البنتاغون بإعادة صياغتها، بحسب ما نقلته الصحيفة عن ثلاثة مسؤولين مطلعين على النقاش. وأضافت الصحيفة: "عندما نشرت الاستراتيجية الدفاعية الوطنية المعدلة في يناير/ كانون الثاني، جاءت بنبرة أكثر تصالحاً تجاه بكين". وجاء في النسخة غير السرية من الوثيقة: "يسعى الرئيس ترامب لسلام مستقر، وتجارة عادلة، وعلاقات قائمة على الاحترام مع الصين". ورغم أن كل إدارة تضع استراتيجيتها الدفاعية الخاصة، فإن إدارة ترامب الثانية اتخذت خطوة غير معتادة بالتخلي عن سياسة صاغتها إدارته الأولى، وفق الصحيفة.
منذ لقاء ترامب مع شي جين بينغ في مدينة بوسان الكورية الجنوبية في أكتوبر/ تشرين الأول، أوقفت الإدارة فرض رسوم جمركية كبيرة كانت مخططة على أهم الصناعات الصينية
ومنذ لقاء ترامب مع شي جين بينغ في مدينة بوسان الكورية الجنوبية في أكتوبر/ تشرين الأول، أوقفت الإدارة فرض رسوم جمركية كبيرة كانت مخططة على أهم الصناعات الصينية، وتخلت عن خطط لمعاقبة شركات صينية اعتبرت تهديداً أمنياً، وقلصت التحقيقات في عمليات قرصنة مرتبطة ببكين، وسمحت بمرور الاستثمارات الصينية في الولايات المتحدة دون تدقيق كبير، كذلك طلب من المسؤولين تخفيف لهجتهم تجاه الصين، بحسب ما نقلته الصحيفة عن مسؤولين حاليين وسابقين.
وبعد قمة بوسان، جمد ترامب وكبار مساعديه العديد من الإجراءات الصارمة التي كانت موجهة ضد الصين. كذلك إن أي تحرك قد ينظر إليه على أنه عدائي تجاه القوة المنافسة، بات يواجه شللاً إضافياً، بعدما أمر وزير التجارة هوارد لوتنيك موظفيه بضرورة الحصول على موافقته الشخصية لأي إجراء يتعلق بالصين، وفق أشخاص مطلعين. وبالتالي، أصبح بعض كبار مسؤولي الوزارة ينتظرون خارج مكتبه أو حتى خارج المبنى لمتابعة تحركاته.
وأطلق بعض المتشددين تجاه الصين داخل الإدارة على هذا التحول اسم "تجميد بوسان"، في إشارة إلى القمة التي أنتجت هدنة تجارية هشة. وكان مستشارو ترامب قد استعدوا في البداية لولاية ثانية تتسم بإجراءات صارمة تجاه الصين. وبدأت الولاية الثانية بالفعل بفرض رسوم جمركية وصلت مؤقتاً إلى نحو 150% على الصين.
لكن الصين ردت بخطوة غير مسبوقة، إذ أوقفت معظم صادراتها من المعادن الأرضية النادرة في إبريل/ نيسان الماضي، وهي مواد أساسية للتقنيات المتقدمة، ما هدد الإنتاج الأميركي في قطاعات مثل السيارات الكهربائية والصواريخ والطائرات ومراكز البيانات والغواصات. وتسيطر الصين إلى حد كبير على عمليات تكرير هذه المعادن وفصلها وتصديرها عالمياً، ما فاجأ فريق ترامب، وفق مسؤولين في الإدارة.
يرى بعض المحللين أن النهج الأكثر ليونة من إدارة ترامب قد يكون مجرد هدنة تكتيكية، وليس تحولاً استراتيجياً دائماً، مع احتمال عودة المنافسة الاقتصادية القوية لاحقاً
ونقلت "وول ستريت جورنال" عن المسؤولة السابقة في وزارة الخارجية الأميركية، أنجا مانويل: "وقفت الصين في وجه الرئيس ترامب في ملف المعادن النادرة، وتراجعت الولايات المتحدة... نحن الآن أمام إدارة أضرار متبادلة". كذلك ساهمت الحرب مع إيران في إضعاف الموقف التفاوضي الأميركي، وفق مسؤولين في الأمن القومي، إذ قرر ترامب تأجيل أول أربعة اجتماعات كان من المقرر عقدها مع شي هذا العام.
ويرى بعض المحللين، وفق الصحيفة، أن النهج الأكثر ليونة من إدارة ترامب قد يكون مجرد هدنة تكتيكية، وليس تحولاً استراتيجياً دائماً، مع احتمال عودة المنافسة الاقتصادية القوية لاحقاً. وقال المسؤول السابق في مجلس الأمن القومي، كريس ماكغواير: "تفوقنا على الصين سيتآكل... والتكلفة طويلة الأجل ستكون هائلة".

أخبار ذات صلة.
شكوى لبنانية عاجلة إلى "يونسكو" حول استهداف قلعة شمع
العربي الجديد
9 دقائق من الآن