عربي
أثار استمرار دبلوماسيين سوريين كان نظام بشار الأسد قد عيّنهم في عملهم في السفارات والبعثات الخارجية رغم مرور عام ونصف العام على إسقاط نظام الأسد موجة استياء واستغراب في الشارع السوري. وبحسب قائمة تداولها السوريون قبل أيام على وسائل التواصل الاجتماعي، والتي أكد صحتها مصدر مطلع في وزارة الخارجية تواصلت معه "العربي الجديد"، ما يزال عدد كبير من الدبلوماسيين (بعضهم سفراء)، جرى تعيينهم أثناء وجود نظام الأسد على رأس عملهم في السفارات رغم مرور نحو عام ونصف العام على سقوطه.
المتمعن في الأسماء يكتشف أن جلّ دبلوماسيي النظام البائد هم أبناء أو أقرباء ضباط متهمين بارتكاب جرائم إبادة، وهو ما يفسّر قلة الدبلوماسيين المنشقين خلال سنوات الثورة احتجاجاً على الجرائم التي ارتكبها النظام. ولسورية 54 سفارة أو بعثة خارجية، أكبرها البعثة الموجودة في مدينة نيويورك مقر الأمم المتحدة.
استعداد لاستبدال دبلوماسيي نظام الأسد
ولم ترد الدائرة الإعلامية في وزارة الخارجية على تساؤلات "العربي الجديد" عن الأسباب التي تدعو إلى إبقاء هؤلاء الدبلوماسيين في السفارات والبعثات الخارجية، وعدم عزلهم، لا سيما أن جلّهم مرتبط عائلياً بضباط متهمين بارتكاب جرائم حرب خلال سنوات الثورة. لكن مصدراً مقرباً من وزارة الخارجية (فضّل عدم ذكر اسمه لأنه غير مخول بالحديث)، أوضح في حديث مع "العربي الجديد" أنه "تجرى حالياً عملية تأهيل منتسبين جدد إلى وزارة الخارجية ليكونوا بدلاء لدبلوماسيين موجودين حالياً في السفارات"، مضيفاً: "تلقّى الدبلوماسيون الجدد الكثير من الدورات المتخصصة خارج سورية حتى يستطيعوا شغل المناصب في السفارات".
مصدر مقرب من الخارجية: تجرى حالياً عملية تأهيل منتسبين ليكونوا بدلاء للدبلوماسيين في السفارات
وأشار إلى أن عدداً من البعثات الخارجية "جرى فيه بالفعل استبدال دبلوماسيي النظام البائد بدبلوماسيين جدد لديهم الكفاءة والقدرة"، موضحاً أنه "لم يعد للسفارات أي أدوار أمنية كانت تقوم بها أثناء حكم النظام البائد"، مضيفاً: "لا يمكن الحكم على كل العاملين في السفارات إبان العهد البائد على أنهم كانوا يناصرونه. كانوا يعملون ضمن بنية دبلوماسية ولم يعلنوا مناصرة النظام في جرائمه".
من جهته، أكد السفير السوري السابق في السويد بسام العمادي، في حديث مع "العربي الجديد"، صحة الأسماء التي وردت في القائمة المتداولة، مشيراً إلى أن "أحد الدبلوماسيين كتبها"، مضيفاً: "كثير من الأسماء لم ترد في القائمة". وبرأيه، ما تزال الأمور في وزارة الخارجية السورية "غير مفهومة على الإطلاق وتثير الكثير من التساؤلات"، متسائلاً: "كيف يمكن ترك دبلوماسيين يرتعون في السفارات، ويسيئون ويتآمرون على قيادتها، ويتقاضون عشرات آلاف الدولارات لقاء ذلك؟". وتابع أن السلطة الجديدة تؤكد في خطابها أنها تحارب فلول نظام الأسد في الدولة، ومع ذلك لم تُنحّ سوى بضعة أسماء قليلة من السفراء والدبلوماسيين كبشار الجعفري (سفير سابق في موسكو)، وأيمن سوسان (كان سفيراً في الرياض)، ولكن هناك الكثيرين في السفارات يماثلونهم في السوء في تمثيل سورية وقيادتها الجديدة. المفارقة أن بعضهم ما زال يصف السلطة الجديدة بالإرهاب في الأحاديث الجانبية والاستقبالات الرسمية.
بسام العمادي: وزارة الخارجية تُدار ممن ليست لديهم خبرة في العمل الدبلوماسي
وبرأيه "لم يعد الأمر جهل المسؤولين في الخارجية بالشأن الدبلوماسي (وهم كذلك) أو بنظام العمل في وزارات الخارجية أو اتفاقية فيينا أو أعذار أخرى يسوقها بعض من يجهل الأمور الدبلوماسية، كانتظار تدريب دبلوماسيين جدد يحلون محل دبلوماسيي النظام البائد"، مضيفاً: "بعد مضيّ أكثر من عام، لم تعد كل تلك الأعذار مقبولة". وأشار إلى أن ما يجري "محير بشكل كبير ويناقض كل ممارسات الدول في علاقاتها الخارجية، فعادة يعاد أي دبلوماسي لا يمثل الحكومة التي تدفع له راتبه وتحتفظ به ممثلاً لها"، مضيفاً أن "السفارات السورية مليئة بمستخدمين محليين تم إرسالهم للتجسس وكتابة التقارير بالجاليات وببعض الموظفين من المشكوك بولائهم. هؤلاء خطرهم أكبر من الدبلوماسيين لأنهم يتحكمون بمفاصل العمل القنصلي مع الجاليات، ولهم تماس مباشر مع السوريين في المهجر".
أخطاء في القرارات
ويعتقد العمادي أن وزارة الخارجية "تدار ممن ليس لديهم خبرة بالعمل الدبلوماسي"، مضيفاً أن إدارة وزارة مثل الخارجية ليست بالأمر السهل ولا يمكن تحقيق ذلك من دون خبرة طويلة بها، وهذا ما لم يدركه بعد المسؤولون عن الوزارة ويكتفون بمستشارين لديهم شهادات محترمة في العلاقات السياسية والدولية، ولكن لم يمارسوا العمل الدبلوماسي قبل ذلك. وهذا نقص كبير كان على السلطة الجديدة تداركه. وتابع أن هناك الكثير من الأخطاء والممارسات نراها في القرارات التي تصدر، والتي أقل ما يقال عنها أنها صدرت ممن لا معرفة له بأصول التراتبية والتسلسل والقدم والعمل المتبع في وزارات خارجية الدول.
وكان وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني قد أجرى، العام الماضي، إعادة لهيكلة السفارات والبعثات الدبلوماسية "بما يضمن تمثيلاً مشرفاً للجمهورية العربية السورية"، وعيّن عدداً من القائمين بالأعمال في دول فاعلة عدة في الملف السوري، وجُوبه باستياء كبير من الشارع السوري بسبب افتقارهم إلى الكفاءة والتأهيل بسبب عدم التدرج في العمل الدبلوماسي. ولم تعيّن وزارة الخارجية حتى اللحظة إلا سفيراً واحداً وهو إبراهيم العلبي (32 سنة)، برتبة سفير مفوض فوق العادة ومندوباً دائماً لسورية لدى منظمة الأمم المتحدة في نيويورك. وأعادت الوزارة أواخر العام الماضي 19 دبلوماسياً منشّقاً عن نظام الأسد لـ"تفعيل دورهم في مرحلة بناء سورية الجديدة"، جرى تعيينهم لاحقاً في السفارات والبعثات الدبلوماسية بعدة دول.
وعن ارتباط ملف دبلوماسيي نظام الأسد بمبادئ العدالة الانتقالية، بيّن الباحث في مركز الحوار للدراسات، أحمد القربي، في حديث مع "العربي الجديد"، أن "كل دبلوماسي من العهد البائد ثبت عليه ارتكابه انتهاكات لا بد من محاسبته"، لافتاً إلى الأمر في النهاية لقانون العدالة الانتقالية والذي لم يصدر بعد، وما سينص عليه بما يتعلق بالدبلوماسيين. وبرأيه، وفق المعطيات الحالية "يراعي بقاء الدبلوماسيين مبدأ استمرار مؤسسات الدولة وليس مبدأ العدالة الانتقالية الذي يستدعي عزلاً سياسياً وتطهيراً وظيفياً، وهذا ما لم يتم حتى اللحظة.

أخبار ذات صلة.
أنس ناصيف في "إضراب فيزيولوجي" للجسد السوري
العربي الجديد
منذ 51 دقيقة