متى تتحقق العدالة في زمن الهيمنة؟
عربي
منذ ساعة
مشاركة
تتشكل العدالة في عالم تحكمه الهيمنة الإمبريالية داخل شبكة معقدة من العلاقات التي تتداخل فيها القوة مع المعنى، حيث تسعى القوى الكبرى إلى فرض تصورها للحق عبر أدوات متعددة تمتد من التفوق العسكري إلى السيطرة الاقتصادية وإنتاج المعرفة، بينما تعمل الشعوب الواقعة تحت الضغط على إعادة تعريف هذا الحق انطلاقاً من تجربتها التاريخية الخاصة. في هذا الصدد، تبرز المقاومة كأفق فلسفي وتاريخي يربط بين الصمود وإمكانية تحقيق العدالة، إذ يتحول الفعل المقاوم إلى تعبير عن الوجود الإنساني في مواجهة محاولات الإخضاع، ويغدو الاستمرار في هذا الفعل دليلاً على بقاء المعنى رغم اختلال موازين القوة. يكشف التاريخ أن مشاريع الهيمنة اعتمدت على بناء سرديات تمنحها شرعية أخلاقية، حيث صيغ التوسع الاستعماري في أواخر القرن التاسع عشر ضمن خطاب يدّعي حمل رسالة حضارية، وقد عبّر الشاعر البريطاني روديارد كبلينغ عن هذا التصور في قصيدته "عبء الرجل الأبيض"، مقدماً السيطرة باعتبارها مهمة إنسانية. لكن الوقائع التي رافقت هذا التوسع أظهرت ارتباطه بإخضاع الشعوب المستضعفة واستنزاف مواردها، ما أدى إلى نشوء وعي مضاد أعاد تعريف العدالة باعتبارها تحرراً من الهيمنة واستعادة للكرامة. هذا الوعي لم يبق في حدود النظر، بل تحول إلى حركات تحررية تاريخية أعادت تشكيل مسار العالم في منتصف القرن الماضي. تتشكل العدالة في عالم تحكمه الهيمنة الإمبريالية داخل شبكة معقدة من العلاقات التي تتداخل فيها القوة مع المعنى في مسار التاريخ الإسلامي، تظهر لحظات الانكسار الكبرى بوصفها نقاط اختبار عميقة لمعنى الهزيمة، حيث مثّل سقوط بغداد سنة 1258 صدمة حضارية كشفت هشاشة البنية السياسية أمام قوة عسكرية جارفة، ومع ذلك استمرت الحيوية الثقافية والعلمية في فضاءات أخرى، وأعادت المجتمعات إنتاج ذاتها عبر مسارات متعددة، ما يعكس أن الإرادة الحضارية قادرة على تجاوز الصدمات وتحويلها إلى منطلقات جديدة. ويتكرر هذا النمط في سقوط غرناطة سنة 1492، حيث انتهى الوجود السياسي في الأندلس، بينما استمر الأثر الحضاري في الذاكرة واللغة، محتفظاً بقدرته على التأثير عبر الأجيال، وهو ما يعزز فكرة أن الهزيمة لا تتحقق إلا مع انطفاء الإرادة. في العصر الحديث، أخذت المقاومة أشكالاً متنوعة تعكس اختلاف السياقات التاريخية، ففي فيتنام عبّر الثائر هو تشي منه عن جوهر هذا المسار بقوله إن الاستقلال والحرية يمثلان القيمة العليا التي تستحق النضال، وقد تجسدت هذه الرؤية في صراع طويل أعاد تشكيل موازين القوة. وفي الهند، قاد المهاتما غاندي تجربة قائمة على العصيان المدني، حيث اعتمد على قوة الفعل الأخلاقي في مواجهة السيطرة، مؤكداً أن اللاعنف يمتلك قدرة عميقة على تفكيك شرعية الهيمنة. هاتان التجربتان تكشفان أن المقاومة تتخذ مسارات متعددة، غير أنها تلتقي في هدف إعادة بناء العدالة على أساس الكرامة الإنسانية. مع تشكل النظام الدولي المعاصر، ظهرت مؤسسات تدّعي تمثيل العدالة الكونية، مثل الأمم المتحدة، لكن بنيتها عكست استمرار اختلال موازين القوة، خاصة عبر مجلس الأمن الدولي الذي يمنح امتيازات حاسمة "حق الفيتو أو الرفض" لدول بعينها (الولايات المتحدة الأميركية، الصين، روسيا، فرنسا، المملكة المتحدة)، ما يجعل تطبيق القوانين الدولية مرتبطاً بإرادة القوى المهيمنة. هذا الواقع أدى إلى ظهور تناقض واضح بين الخطاب والممارسة، حيث يتم تفعيل القوانين في سياقات معينة وتعطيلها في أخرى، وهو ما يعيد إنتاج الشعور بعدم العدالة على المستوى العالمي. تتجلى هذه الإشكالية في وقائع مثل حرب العراق 2003، التي كشفت قدرة القوة على فرض واقع جديد خارج الأطر القانونية الدولية، الأمر الذي أعاد طرح سؤال العدالة بوصفه سؤالاً عن إمكانات الفعل في مواجهة الهيمنة. في هذا السياق، تتحول المقاومة إلى ضرورة تاريخية وأخلاقية، لأنها تمثل المسار الذي يمكن من خلاله إعادة التوازن وإعادة تعريف العلاقة بين القوة والحق. في المقابل، يقدم التاريخ نماذج لاقتراب العدالة من التحقق عبر مسارات طويلة من النضال، كما في تجربة جنوب أفريقيا، حيث قاد نيلسون مانديلا تحولاً تاريخياً جمع بين الصمود والتفاوض ضد نظام الأبارتايد (نظام الفصل العنصري)، وأسس لنظام يسعى إلى تحقيق قدر أكبر من الإنصاف. هذه التجربة تعكس قدرة المقاومة على التحول من فعل رفض إلى مشروع بناء، حيث تتم إعادة صياغة الواقع وفق قيم جديدة تعزز الكرامة الإنسانية. تتحول المقاومة إلى ضرورة تاريخية وأخلاقية، لأنها تمثل المسار الذي يمكن من خلاله إعادة التوازن وإعادة تعريف العلاقة بين القوة والحق في السياق الراهن، يتجدد الصراع في أشكال أكثر تعقيداً، حيث يتخذ العدوان الأميركي والصهيوني على إيران طابعاً مركباً يجمع بين الضغط العسكري والأدوات الاقتصادية والسياسية، ما يعكس استمرار منطق الهيمنة في إعادة تشكيل النظام الدولي. أمام هذا الواقع، تتجلى المقاومة كفعل متعدد الأبعاد، يجمع بين الصمود والمناورة، ويعكس إصراراً على الحفاظ على السيادة في مواجهة الضغوط الإمبريالية. هذا الفعل يعيد التأكيد أن العدالة لا تنفصل عن الإرادة، وأن تحقيقها يرتبط بقدرة الفاعلين على الاستمرار في إنتاج المعنى رغم التحديات. تتقاطع هذه الرؤية مع التصورات الفلسفية التي ترى أن الإنسان يتحدد من خلال أفعاله، حيث يتحول الفعل المقاوم إلى تعبير عن الحرية، وإلى وسيلة لإعادة تعريف الذات في مواجهة الآخر. وبالتالي، فالعدالة تظهر كعملية تاريخية مستمرة تتشكل عبر تراكم التجارب، وتفتح المجال أمام إمكانيات جديدة تعيد التوازن إلى عالم يميل نحو الاختلال والوحشية ومنطق القوة. في الأخير، ينفتح السؤال حول زمن تحقق العدالة على أفق واسع، لكن التجربة التاريخية تشير إلى أن هذا التحقق يرتبط بمدى استمرارية المقاومة وقدرتها على التحول إلى مشروع واعٍ يعيد صياغة العلاقة بين القوة والحق. لأن الهزيمة ترتبط بانطفاء الإرادة، بينما يفتح استمرار الفعل المجال أمام إعادة تشكيل الواقع. وهكذا، تتكامل فكرة العدالة في عمقها: كل مقاومة تمثل خطوة في مسار العدالة، وكل صمود يعيد كتابة التاريخ من موقع مختلف، حيث يتحول الفعل الإنساني إلى قوة قادرة على كسر منطق الهيمنة، وإلى إعلان دائم بأن من يقاوم يحتفظ بحقه في أن يكون فاعلاً في هذا العالم، وأن العدالة رغم تعقيد شروطها، تظل أفقاً يتحقق عبر هذا الإصرار المتواصل لنيل الحرية والكرامة والإنصاف.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية