عربي
يبرز موضوع حماية الأعمال الفنية من التزوير بوصفه واحداً من أكثر الملفات تعقيداً، خصوصاً مع توسع سوق الفن عالمياً وتشابك مساراته بين دور المزادات والمنصات الرقمية وشبكات التوزيع الدولية. ومع هذا التوسع، بدأت بعض الدول تعيد النظر في أدواتها التشريعية، إذ بات واضحاً أن الأطر القانونية العامة لم تعد كافية لضبط جرائم باتت أكثر تنظيماً وأوسع انتشاراً، في عالم ارتفعت فيه إيرادات سوق الفن إلى مستويات غير مسبوقة.
ضمن هذا السياق، يمثّل القانون اليوناني رقم 5271 لسنة 2026، الذي أقرّته وزارة الثقافة اليونانية بداية السنة الحالية، تحولاً في طريقة تعامل الدولة مع جرائم الفن. فقد اعتمدت اليونان تاريخياً على القانون الجنائي العام في ملاحقة التزوير، وهو إطار يشترط إثبات وجود معاملة مالية لإثبات الجريمة. أما بموجب التشريع الجديد، فلا تحتاج السلطات إلى إثبات صفقة مكتملة، بل يكفي إثبات تصنيع الأعمال المزيفة أو حيازتها بقصد التوزيع، وهو ما يُجرّم الفعل التحضيري قبل اكتمال الجريمة.
يُجرّم القانون اليوناني الجديد فعل التحضير للتزوير قبل اكتمال الجريمة
كذلك تظهر نقطة لافتة في القانون الجديد، تتمثل في إنشاء سجلّ مستقل لخبراء تقييم الأعمال الفنية ضمن وزارة الثقافة. هذا الإجراء يبدو إدارياً في ظاهره، لكنه في العمق إعادة توزيع للسلطة المعرفية داخل سوق الفن، بدلاً من ترك مسألة الأصالة في يد دور المزادات والغاليريهات، أي الجهات المستفيدة تجارياً، لتنتقل هذه السلطة إلى هيئة عامة تخضع للرقابة.
عند مقارنة التشريع اليوناني بالمشهد العربي، تتكشف بنيتان مختلفتان في تصور دور الدولة الثقافي، حيث تمتلك مصر أحد أعرق الأطر التشريعية في حماية التراث. فقانون حماية الآثار رقم 117 لسنة 1983، المعدَّل مرات عدة، صنّف جرائم التهريب والسرقة جنايات تمسّ الأمن القومي ولا تسقط بالتقادم، وتصل عقوباتها في أقصاها إلى السجن المؤبد.
وعلى صعيد الفن المعاصر، يحمي القانون رقم 82 لسنة 2002 حق الفنان في مصنفاته من النسخ غير المرخص والاستغلال دون إذن. لكن هذه الحماية تنصبّ على علاقة الفنان بعمله، لا على صحة نسب هذا العمل إليه في السوق. فحين يُصنع عمل جديد ويُنسب إليه زوراً، لا يقع الضرر الأول على حق المؤلف بل على ثقة السوق: المشتري يدفع ثمن الأصل ويأخذ مزيفاً، وسمعة الفنان تتآكل في مزادات لا يد له فيها. هذا الفعل يمكن نظرياً ملاحقته تحت أحكام الاحتيال في قانون العقوبات العام، لكن ذلك يستلزم إثبات صفقة مالية مكتملة وضرر مباشر موثق، وهو بالضبط نفس الإشكال الذي كانت تعانيه اليونان قبل قانون 2026.
إلى جانب هذه الفجوة، تعاني مصر من أزمة أرشيف في ملف الآثار التاريخية: كثير من المناطق الأثرية غير مسجّلة ولا تخضع لإشراف مؤسسي، فتجري فيها عمليات تنقيب غير مشروع وتُستخرج قطع تُهرَّب إلى الخارج دون توثيق، وبالتالي لا يوجد ما يثبت ملكية مصر لها قانونياً أمام المحاكم الدولية. والآثار التي خرجت دون تسجيل تظل شديدة الصعوبة في الاسترداد، وهذا بالضبط ما جعل قضايا مثل قضية رأس نفرتيتي الموجود في متحف برلين الجديد معلّقة بلا حسم.

أخبار ذات صلة.
ماذا يعني «حصار الحصار» في «هرمز»؟
الشرق الأوسط
منذ 18 دقيقة