عربي
أعلن مجلس النواب الأردني عن تأجيل مناقشة مشروع القانون المعدل لقانون الضمان الاجتماعي بعد طلب الحكومة إمهالها وقتاً إضافياً لدراسة التعديلات التي أقرّتها لجنة العمل والتنمية الاجتماعية والسكان النيابية، وإخضاعها لتقييم أكتواري وفني قبل المضي في استكمال إجراءات الإقرار. ويأتي تأجيل مناقشة مشروع القانون في ظل جدل واسع تشهده الساحة الأردنية بشأن مستقبل نظام الضمان الاجتماعي، وسط مطالب متزايدة بإجراء إصلاحات تضمن استدامته المالية دون المساس بالحقوق الاجتماعية للمشتركين.
وأعلن رئيس اللجنة النيابية أندريه حواري، اليوم الأحد، خلال مؤتمر صحافي، تأجيل النظر في مشروع القانون دون تحديد موعد جديد لاستئناف النقاش، موضحاً أنّ اللجنة كانت قد انتهت من إعداد حزمة واسعة من التعديلات على المشروع الحكومي، قبل أن تطلب الحكومة مهلة إضافية لدراستها، مشيراً إلى أن الدورة النيابية الحالية تنتهي في 26 إبريل/ نيسان الحالي، ويحتاج المشروع إلى مراجعة ردود الحكومة على تعديلات اللجنة قبل عرضه على مجلس النواب لمناقشته تحت القبة.
وأوضح أنّ اللجنة أدخلت تعديلات جوهرية على مشروع القانون المعدل لسنة 2026، بهدف حماية حقوق العاملين وتعزيز استدامة مؤسسة الضمان الاجتماعي، من أبرزها توسيع نطاق الأجور الخاضعة للاقتطاع لتشمل المكافآت والمخصصات، بما يحد من حالات التهرب التأميني سواء في القطاع العام أو الخاص. كما شملت التعديلات، وفق الحواري، إعادة تعريف المهن الخطرة بشكل أكثر وضوحاً للحدّ من الاجتهادات الشخصية في تطبيق هذا المفهوم، إلى جانب إعادة توزيع المنافع التأمينية بصورة تحقق قدراً أكبر من العدالة بين المشتركين، عبر تحسين أوضاع أصحاب الرواتب المتدنية ممن تقل أجورهم عن 400 دينار (560 دولاراً) شهرياً، مقابل إخضاع الرواتب المرتفعة لمزيد من الاقتطاعات. وأكد أن هناك توافقاً واسعاً بين اللجنة ومعظم الأحزاب السياسية حول مجمل التعديلات، باستثناء بعض التحفظات التي أبداها حزب جبهة العمل الإسلامي.
تعديلات مشروع الضمان الاجتماعي تحت الدراسة
من جهته، قال وزير العمل الأردني خالد البكار إنّ الحكومة تسلّمت التوصيات والتعديلات التي توصلت إليها اللجنة النيابية، إلا أنّ الحكم عليها يحتاج إلى دراسة معمقة لقياس أثرها على استدامة النظام التأميني ومدى انسجامها مع الهدف الأساسي المتمثل في الحفاظ على ديمومة مؤسسة الضمان الاجتماعي، مضيفاً أن الحكومة ليست في عجلة من أمرها لإقرار مشروع القانون، مشيراً إلى أن الأولوية تتمثل في جودة التشريعات ودقتها، بما يحفظ الاستقرار المالي لمؤسسة الضمان ويحمي حقوق المؤمن عليهم.
وأوضح أن الحكومة ستطلب من فريق خبراء تابع لمنظمة العمل الدولية دراسة المقترحات والتعديلات المطروحة، وتقديم المشورة الفنية للجنة العمل النيابية، بما يحقق التوازن بين استدامة النظام التأميني وعدم تحميل المواطنين أعباء إضافية. وبيّن أنّ مشروع القانون الذي تقدّمت به الحكومة يستند أساساً إلى نتائج الدراسات الأكتوارية التي أعدتها مؤسسة الضمان الاجتماعي، ويهدف إلى تعزيز استدامة النظام التأميني وتأجيل الوصول إلى نقطة التعادل المالي أطول فترة ممكنة.
في المقابل، يرى مدير المركز الأردني لحقوق العمل "بيت العمال" حمادة أبو نجمة، في حديث لـ"العربي الجديد"، أنّ تأجيل مناقشة القانون يمثل فرصة حقيقية لإعادة فتح الملف بصورة أكثر شمولاً وموضوعية، مؤكداً أنّ أي إصلاح حقيقي للضمان الاجتماعي يجب ألا يكون على حساب المؤمن عليهم أو عبر تشديد شروط التقاعد. وقال إنّ مشروع الحكومة واجه منذ طرحه اعتراضات واسعة من خبراء ومختصين وأطراف إنتاج، لكونه يستند إلى مقاربة مالية بحتة تتعامل مع الضمان الاجتماعي بمنطق الربح والخسارة، في حين أن الدور الأساسي للمؤسسة هو توفير الحماية الاجتماعية للمواطنين.
وأضاف أنّ معالجة التحديات التي تواجه مؤسسة الضمان الاجتماعي لا تتطلب بالضرورة تعديل القانون، بل تبدأ بتوسيع قاعدة الشمول التأميني، مشيراً إلى أنّ نحو 50% من العاملين في الأردن غير مشمولين بمظلة الضمان الاجتماعي، فيما لا تتجاوز نسبة الشمول 15%من العمالة الوافدة. ولفت إلى أنّ التهرب التأميني يشكل أحد أبرز التحديات التي تواجه المؤسسة، إذ تبلغ نسبته نحو 22%، ويتخذ أشكالاً متعددة تشمل عدم تسجيل العاملين أو تسجيلهم بأجور أقل من أجورهم الحقيقية أو الانقطاع عن سداد الاشتراكات.
وأشار أبو نجمة كذلك إلى وجود مديونية مستحقة لمؤسسة الضمان الاجتماعي تُقدّر بنحو مليار دينار (1.4 مليار دولار) على عدد من المؤسسات، مؤكداً أن تحصيل هذه المبالغ من شأنه أن يعزز الوضع المالي للمؤسسة بشكل ملموس. واعتبر أن وقف التقاعدات المبكرة، خصوصاً في القطاع العام، يمثل عاملاً مهماً في تخفيف الضغط على صناديق الضمان، موضحاً أنّ هذه التقاعدات تكلف المؤسسة قرابة 100 مليون دينار (140 مليون دولار) سنوياً.
بدوره، قال مدير مركز الفينيق للدراسات الاقتصادية أحمد عوض، لـ"العربي الجديد"، إنه من غير المتوقع عودة اللجنة النيابية إلى مناقشة مشروع القانون خلال الدورة الحالية، مرجحاً أن يُعاد طرحه خلال دورة استثنائية أو في الدورة البرلمانية المقبلة، لا سيما في ظل الرفض الواسع الذي يواجهه المشروع، موضحاً أنّ بعض التعديلات التي أدخلتها لجنة العمل النيابية "تُعد إيجابية وتشكل تحسناً مقارنة بالنص الحكومي الأصلي، إلا أنها لا تعالج جوهر المشكلة التي يعاني منها نظام الضمان الاجتماعي".
وأكد أن الحل الحقيقي يبدأ من توسيع شمول العاملين بالضمان الاجتماعي، في ظل بقاء أكثر من نصف القوى العاملة خارج مظلته، مشيراً إلى أنّ التعديلات لم تقدّم حلولاً واضحة لهذه القضية رغم إشارتها إلى إمكانية شمول العاملين عبر تطبيقات النقل والتوصيل. وأضاف أنّ الحديث عن الشمول الاختياري للعاملين في التطبيقات الرقمية غير كافٍ، لأن المشكلة الأساسية تكمن في غياب آليات تنفيذ واضحة وملزمة. وشدد عوض على أنّ أي تعديل يتعلق برفع سن التقاعد أو تقليص مزايا التقاعد المبكر يجب أن يترافق مع مراجعة شاملة لسياسات سوق العمل، وعلى رأسها تحسين الأجور وظروف العمل، حتى لا يتحول بقاء العاملين في سوق العمل إلى عبء عليهم ويدفعهم للخروج القسري منه.
