وجها الحرب اللبنانية في "جوع عتيق" للينة كريدية
عربي
منذ ساعتين
مشاركة
عنوان رواية لينة كريدية "جوع عتيق: سرقة بنكو دي روما" (دار النهضة العربية، بيروت، 2026) تعبير دارج في العامية اللبنانية يعني الجشع. سرقة بنكو دي روما، المضافة إلى العنوان، حادث بارز في الحرب الأهلية اللبنانية التي هي، وعواقبها، في صلب رواية كريدية. تمرّ الرواية على تواريخ في هذه الحرب، لكنها تقف عند سرقة بنك دي روما وما تبعها في حياة أبي خليل، بطل الرواية الرئيسي. أبو خليل من ناحية، وفؤاد من ناحية أخرى، هما شخصيتا الرواية الأساسيتان.  الأول مسلم والثاني مسيحي، ويجمعهما الجوار في الأشرفية وقربى ما بين العائلتَين. للأول والثاني تاريخ أُسري وتاريخ شخصي سبق الجوار. أبو خليل، إبراهيم، ابن ريف له حكاية أُسرته الفقيرة، أما هو فعمل مساعداً بيطرياً، وله من الذكاء ما جعله يتعلّم حرفته، ومن بينها معالجة حوافر البقرة. نتوقف عند هذه المعالجة، إذ يلفتنا، نحن الجاهلين بالمسألة، علم الروائية بموضوع بهذا الاختصاص. ليس هذا العلم وحده ما يلفتنا، إذ يفاجئنا علمها بالسلاح. يفاجئنا، في غير مكان، علمها بتاريخ الملاكمة، ومجوهرات العائلة المالكة، ومضاربات البورصة، وتواريخ الحرب اللبنانية، كعرضها المسهب لفرقة التيوس. ذلك يشي بأن رواية لينة استجرّت تحقيقات وافية تاريخية، ونكاد نقول علمية، لما يتصل بموضوعاتها. صناعة الرواية هنا لا تعتمد على السرد فحسب، بل أيضاً على خلفية ثقافية وبحثية. أبو خليل ذاك لا يلبث، بعد أن اندلعت الحرب الأهلية، أن ينضم إليها. سيكون من الذكاء بحيث يعفّ عن السرقات الصغيرة، ليس عن خُلق وأدب بل عن طموح إلى أكثر. الحرب الأهلية ستكون هنا بظواهرها المزدوجة والمتناقضة. ستكون هنا ببطولة ومبدئية أشخاص كالشهيد سرجون، أخ جدّة فؤاد، وقد تكون بإجرامية ولصوصية العجمي من الجهة الأخرى. أما أبو خليل إبراهيم فهو وسط بين الاثنين، لكنه، في اللحظة المناسبة، يبدو الأفضل تمثيلاً للحرب. إنها لحظة سرقة بنكو دي روما. البنك هو ما فيه من نقد وذهب ومجوهرات، من بينها كنز فرح ديبة، زوجة الشاه الإيراني الأخير. البنك هو أيضاً ما فيه من سندات عقارية لكبار الملّاكين. هذا العرض التفصيلي لمحتويات البنك هو ثمرة تحقيق الروائية وبحثها. حلّت ساعة أبو خليل الذي يعدّ نفسه لها. لا يهتم بالنقد كثيراً، إذ سرعان ما تنكشف أرقام الأوراق النقدية، الأمر الذي يصعّب كثيراً تداولها. ليس الأمر نفسه مع الذهب، أما ما يظهر أكثر حذق أبو خليل، فهو انتباهه للسندات العقارية التي يسهل، بعد التأكد من رحيل ملاكيها وبقائهم بلا ورثة معلنين، الاستيلاء، بشهادات بيع مزوّرة، عليها. اقتضى ذلك أن  يقتل أبو خليل شريكَيْه في السرقة، ويستولي على حصّتَيْهما، ويخرج من العملية ثرياً يعتزل الحرب ويبتعد عنها، لدرجة أن يشتري، هو المسلم، داراً في الأشرفية، يصادف أنها لصق دار سامي أبي فؤاد، وبينهما حديقة مشتركة. هكذا تنعقد بين الجيران، وخاصة بين أبنائهما، صحبة وعلاقات كتلك التي تحدث بين فؤاد، وبين خليل وعامر ومازن، أبناء أبي خليل. الأبناء ورثوا الحرب وما زالت مستمرة فيهم فؤاد المسيحي، بكر عائلة مسيحية ثرية، من جذور آشورية وأرمنية، كان منتظراً من فؤاد أن يخلف أباه في الإدارة، وأن يتولى مقاليد الشركة، لكنه لم يكن كفؤاً لذلك، بتقاعسه وإيثاره التبطل واللهو، فخاب أمل أهله فيه. لكن اللافت هو أنه، جرياً على علاقته القديمة بخليل، بكر أبو خليل، يلتقي بالأب الذي صارحه باشتهائه لسكرتيرته سوسن، فتنعقد بين الكهل أبو خليل والشاب فؤاد صلة تتعمق مع الوقت. لكننا الآن فيما بعد الحرب الأهلية، الحرب التي انتهت بالنسبة إلى أبو خليل، لكن آثارها باقية على سلالته. لقد فاز الأب بثروة كبيرة، ولا يزال لديه كنز فرح ديبة والسندات العقارية في صندوق في حائط غرفة النوم.  هذه هي سلالة أبو خليل، التي نجد فوراً صلة بينها وبين الحرب الأهلية، بينها وبين الوالد القاتل اللص الذي أثرى من الحرب. أبو خليل يتستر على ماضيه، لكن الأبناء الذين ينعمون بهذه الثروة يبدون وكأنهم جزءٌ سيِّئ من الرواية. هم بين بسيط غير نبيه كخليل، وسكّير مثل رامي، ومدمن مخدرات مثل مازن، الأبناء يبدون وكأنهم، في غفلة عن أنفسهم، ورثوا هذه الحرب أيضاً، وما زالت تتواصل فيهم. عواقبها تستمر خفية، مثلها في ذلك مثل صندوق الكنز المدفون في الحجرة، بل مثل تلك العودة الغامضة من رحلة التمرين على التزلّج، والتي عاد منها خليل ومازن مختلفين تماماً عمّا كانا عليه، مصابين في جسديهما ونفسيهما. سرّ هذه الرحلة لا تلبث الرواية أن تعود إليه، لكنها لا تعلنه ولا تقوله.  ثروة غير شرعية هي امتدادٌ لعنف الحرب وتعيد إنتاجه هذا السرّ الذي لا يُقال مفصلٌ روائي لافت، بل هو، مع صندوق الكنز، أثران دائمان للحرب الباقية فيهما، عاقبتان تظهران أن الحرب لم تغب تماماً وأنها تعود بصورة أخرى. تعود حين يفهم أبو خليل أن كنز فرح ديبة معروف بكل ما فيه، ولا يمكن إظهاره والمتاجرة به. عواقب الحرب ليست أقل من أوليتها: موت مزمن، المدمن مقتولاً، وخسارة عامر الفادحة في مضاربات البورصة، وأكثر من ذلك شلل أبي خليل وانعزاله في مرضه. إنها الصفحة المشؤومة المضادة، الحرب الأهلية في نسختها الثانية. يمكن القول إنّ لبنان، الانهيار الاقتصادي والسياسي الحالي، هو الظلّ البعيد لهذه الصفحة. لا نزال ندفع ثمن الحرب، لا نزال في عواقبها. * شاعر وروائي من لبنان

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية