يمن مونيتور/ وحدة الترجمة (خاص)/ من فورين أفيرز
في أعقاب الاتفاق على وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين في السابع من أبريل، يدعي كل من الولايات المتحدة وإيران النصر في حربهما؛ إذ يردد كل طرف الرواية ذاتها: “لقد صمدنا، والطرف الآخر هو من تراجع أولاً”. وفي واقع الأمر، قرر الطرفان اعتبار النتيجة تعادلاً. وكان من المرجح دائماً التوصل إلى نتيجة كهذه، لأن هيكلية “اللعبة” قيدت عملية صنع القرار لدى اللاعبين، حتى وإن كانوا لاعبين بخصوصية وتفرد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وقادة الجمهورية الإسلامية.
تمر الحروب بثلاث مراحل: الافتتاحية، ومنتصف اللعبة، والختام. وكما هو الحال في الشطرنج، تتضمن الافتتاحية نشر القوات والاشتباك مع العدو. وإذا لم يسفر ذلك عن نصر سريع، ينتقل الصراع إلى “منتصف اللعبة” حيث يتقاتل الجانبان ويحاول كل منهما إجبار الآخر على الاستسلام. ومع وضوح اتجاهات المعركة، يبرز في النهاية الشكل التقريبي لنتيجة منطقية، لتدخل الحرب مرحلتها الختامية، التي يتم خلالها صياغة تفاصيل التسوية النهائية.
في إيران، بدأت المرحلة الختامية بتهديد ترامب بدمار شامل إذا لم تفتح إيران مضيق هرمز، وستستمر حتى يتوصل المتحاربون إلى اتفاق مستقر ينهي الأعمال العدائية. ومن المرجح أن يصمد وقف إطلاق النار للسبب نفسه الذي أدى إلى الاتفاق عليه في المقام الأول: كلا الجانبين كان يتألم، وسيتألم أكثر إذا تصاعدت الحرب بدلاً من أن تنتهي.
أطلقت إدارة ترامب الحرب وهي واثقة من أن الصراع سيكون سريعاً وغير مكلف نسبياً، وبأن إيران لن تكون قادرة أو راغبة في الرد. ولم يثبت صحة أي من هذين الافتراضين، ومع استمرار القتال، بدأت الحرب تبدو لا كشطرنج، بل كلعبة قاتلة تسمى “مزاد الدولار”، والتي تحاصر اللاعبين في دوامة من التصعيد غير المربح.
المفهوم بسيط: يتنافس لاعبان في مزاد على جائزة قدرها دولار واحد، مع اتفاق الطرفين على أن يدفع كل منهما قيمة آخر عرض قدمه مهما كانت النتيجة. في البداية، يزايد اللاعبون بحماس أملاً في تحقيق ربح، ولكن مع ارتفاع السعر، يُطبق الفخ. أول لاعب يزايد بدولار واحد سيخرج متعادلاً (لا ربح ولا خسارة)، لكن اللاعب الآخر سيكون قد خسر قرابة دولار (قيمة عرضه الأخير)، ولذا يصبح لديه حافز للمزايدة أكثر قليلاً —ليكن دولاراً وخمسة سنتات مثلاً— أملاً في تقليل خسارته على الأقل (لتصبح خمسة سنتات فقط). ولسوء الحظ، ينطبق المنطق نفسه على اللاعب الأول، الذي يصبح لديه الآن حافز للرفع أيضاً. ومن هنا، لا يوجد في اللعبة نقطة توقف داخلية؛ حيث تتراكم التكاليف التي تبدو بلا جدوى مع مزايدة اللاعبين أكثر فأكثر حتى ينسحبوا أو يستنزفوا تماماً.
غالباً ما تتحول الحروب إلى “مزادات دولار” لأن التكاليف تتصاعد بشكل لا مفر منه لكلا الجانبين مع استمرار القتال. ويدفع المتحاربون الثمن تدريجياً على طول الطريق، وغالباً ما يكون الإجمالي أكبر بكثير مما اعتقدوا في البداية أن الهدف يستحقه. وبحلول أواخر مارس، عندما أصبح واضحاً أن أي طرف لن يستسلم بسهولة، وصلت حرب إيران إلى نقطة التحول وانزلقت نحو الخسارة للجميع.
لا توجد نتيجة محددة أو متوقعة لـ “مزاد الدولار”. وكما يشير الخبير الاقتصادي مارتن شوبيك، فإن “سير اللعبة يعتمد فعلياً فقط على السيكولوجية الاجتماعية للاعبين، أو عوامل غير معلنة أخرى في البيئة التي تُلعب فيها”. وفي هذه الحالة، كان “العامل غير المعلن” هو قدرة كل جانب على إلحاق أضرار استثنائية بالآخر: الولايات المتحدة عبر القوة الجوية، وإيران عبر الهجمات على البنية التحتية الاقتصادية في أنحاء الخليج. وقد خلق هذا وضعاً من “الردع المتبادل داخل الحرب”، حيث يتردد كلا الجانبين في استخدام أسلحته النهائية خوفاً من أن يفعل الآخر الشيء نفسه.
إن إنذار ترامب النهائي —الذي هدد فيه بأن “حضارة كاملة ستموت” إذا لم تستسلم إيران— كان على الأرجح مجرد خدعة، لأن تنفيذ مثل هذا التهديد الاستثنائي كان سيكون مكلفاً للغاية للولايات المتحدة ومخاطرة بحلفائها في الخليج، الذين ظلوا عرضة للهجمات الإيرانية المضادة. ولكن بما أن الجميع يدرك أن تمثيلية “الرجل المجنون” التي يؤديها ترامب ليست مجرد تمثيل بالكامل، لم يكن الإيرانيون متأكدين من أن ترامب سيتراجع. ومع عدم رغبة أي من الطرفين في تحويل الحرب إلى حرب شاملة، تراجع كلاهما عن حافة الهاوية. وعند تلك النقطة، بدأت المرحلة الختامية للحرب بجدية.
إدارة المرحلة الختامية
بالموافقة على وقف إطلاق النار، أقر كل من الولايات المتحدة وإيران، ولو ضمناً، بأنهما لن يتمكنا من الحصول على كل ما أراداه من الحرب. لكن تصنيف “التعادل” يغطي مساحة واسعة بين النصر والهزيمة، ولذا فإن كيفية سير المرحلة الختامية أمر بالغ الأهمية. وخلال المفاوضات في باكستان، سيحتاج الجانبان إلى إيجاد حلول وسط لعدة مشكلات، بما في ذلك برامج إيران النووية والصاروخية، والعقوبات الأمريكية، وترتيبات الشحن عبر مضيق هرمز، والأنشطة الإيرانية الإقليمية، والعمليات الإسرائيلية في لبنان.
إن الفجوات بين مطالب كل جانب كبيرة لدرجة أن البعض يعتقد أن المفاوضات ستنهار وأن وقف إطلاق النار سيتفكك. ومع ذلك، يدرك الطرفان أن العودة إلى الحرب ستضعهما في نفس الموقف الجحيمي الذي نجا منه للتو —دفع تكاليف متزايدة مقابل عوائد متناقصة مع وجود خيارات أسوأ فقط في المستقبل.
من الممكن دبلوماسياً استغلال المحادثات لوضع أسس لهيكل أمني إقليمي دائم، وهو نوع العمل الذي برع فيه هنري كيسنجر. ولكن مع ندرة الشخصيات المشابهة لكيسنجر هذه الأيام، سيكون من الخطأ رفع سقف التوقعات عالياً. وبدلاً من ذلك، فإن النتيجة الأكثر ترجيحاً هي مزيج من الحلول الوسط و”ترحيل الأزمات”، مما يؤدي إلى نتائج عملية كافية لاستئناف ما يشبه النشاط الاقتصادي الطبيعي حول الخليج، حتى مع ترك القضايا الأكثر إثارة للجدل دون حل.
وعندما ينجلي الغبار، فمن المرجح أن تحتفظ إيران بالقدرة على امتلاك نوع من البرنامج النووي، لكن الولايات المتحدة يجب أن تكون قادرة على فرض بعض القيود عليه (وسيبقى مجهولاً ما إذا كانت تلك القيود أكثر أو أقل من تلك الواردة في الاتفاق النووي الذي انسحبت منه الولايات المتحدة عام 2018). كما سيتم رفع بعض العقوبات عن إيران، وقد يستمر البعض الآخر، ومن المرجح استئناف مرور السفن عبر مضيق هرمز، ولكن بشروط جديدة من المحتمل أن تصب في مصلحة إيران.
سيعقد الجانب الإسرائيلي الأمور بشكل كبير، لأن مصالح الإسرائيليين والأمريكيين ليست متطابقة. ستسعى إيران لتقييد إسرائيل عبر التسوية، بينما ستسعى إسرائيل لضمان حرية التحرك لمواصلة عملياتها في لبنان وأماكن أخرى. وستجد الولايات المتحدة نفسها في المنتصف، مضطرة للتفاوض مع عدوها وحليفها في آن واحد (وهذا ليس بالأمر غير المعتاد؛ فقد حدث الشيء نفسه خلال مفاوضات الختام في الحرب الكورية وحرب فيتنام، عندما فضلت سيئول وسايغون مواقف أكثر تشدداً من واشنطن). ومهما حدث على الجبهة الإسرائيلية، فإن الولايات المتحدة وإيران لن تسمحا لذلك بتعطيل تعاملاتهما الرئيسية معاً، لأن الرهانات مرتفعة للغاية.
في نهاية المطاف، ستكون الحرب قد حققت الحد الأدنى من الأهداف العسكرية لواشنطن، لكنها لم تحقق أهدافها الاستراتيجية الأوسع. وستظل القضايا الأساسية التي تفرق بين المتحاربين دون حل إلى حد كبير، وسيعود الجميع لمتابعتها عبر وسائل دون الحرب المفتوحة، بما في ذلك العمليات السرية. سيبقى النظام الإيراني قائماً، ولكن مع تقلص نخبته القيادية وتضرر قدراته. وستظل التوترات الإقليمية قائمة، حيث تتساءل جميع الأطراف عما إذا كانت الصراعات المستقبلية ستندلع ومتى.
قد يتساءل الأمريكيون عما إذا كان الأمر يستحق كل ذلك. يطلق الإسرائيليون على مثل هذه العمليات “قص العشب”، وقد اعتمدوا عليها لأجيال للتعامل مع التهديدات من لبنان وغزة. والأحكام المتعلقة بحكمة هذه العمليات وقيمتها تعتمد في النهاية على مدى خشية المرء مما يختبئ في العشب الطويل، ومدى استعداده للدفع مقابل الحصول على حديقة مشذبة. أما الاستراتيجيون الأمريكيون، الذين يرون التهديد الإيراني كاهتمام واحد من بين اهتمامات كثيرة ويتحملون مسؤوليات أوسع من نظرائهم الإسرائيليين تجاه النظام الإقليمي والعالمي، فقد تجنبوا هذا النهج بشكل عام. وما لم تسفر مفاوضات باكستان عن نتائج استثنائية، فإن التكاليف الباهظة والعوائد المنخفضة لما وصفه ترامب بـ “النزهة القصيرة” ستؤكد شكوكهم.
The post لماذا سيصمد وقف إطلاق النار مع إيران؟ (مجلة فورين أفيرز) تجيب appeared first on يمن مونيتور.