عربي
تشهد الأسواق السودانية حالة من الارتباك الشامل والشلل التجاري، حيث دفعت تداعيات الحرب الإيرانية إضافة إلى التدهور المتسارع في الاقتصاد المحلي كبار الموردين وأصحاب المحال التجارية إلى تعليق عمليات البيع للمواطنين وتجار التجزئة، وذلك في أعقاب الزيادات الحادة التي طرأت على أسعار الوقود وما تبعها من ندرة حادة وصلت حد الانعدام في ولايات عدة.
وقد انعكست هذه الأزمة مباشرة على تكلفة المعيشة، حيث قفزت أسعار السلع الأساسية والخبز إلى مستويات قياسية نتيجة ارتفاع تكاليف النقل والإنتاج، لتتزامن هذه التعقيدات مع ضغوط الحرب المستمرة في البلاد منذ منتصف إبريل 2023. وأمام هذا المشهد المتأزم، يجد المواطن السوداني نفسه محاصراً بين المحاولات الحكومية المتعثرة لاحتواء الأزمة داخلياً، وارتفاع كبير في أسعار السلع والخدمات. وشهدت الولايات السودانية موجة غلاء حادة في أسعار الخبز خلال الأيام الماضية، وسط تحذيرات من قبل مختصين وجمعيات محلية من تداعيات خطيرة تزيد معاناة المواطنين. يتزامن ذلك مع تراجع قيمة الجنيه وارتفاع تكاليف المعيشة.
طاول الغلاء أيضاً خدمات الكهرباء والمياه والدواء والتعليم والسكن، ما ضاعف الضغوط بشكل كبير على الفئات محدودة الدخل. وتتصاعد المطالب تجاه الحكومة بالتدخل العاجل لدعم الدقيق. حيث قفز سعر الجوال الواحد إلى أكثر من 80 ألف جنيه، كما سجلت تعرفة المواصلات زيادة بنسبة 100%. وقالت المواطنة ست النفر الزين إن سعر عبوة الزيت (7 لترات) ارتفع من 30 ألفاً إلى 35 ألف جنيه، وإن هذه الزيادات المفاجئة تضع المواطنين أمام تحديات يومية قاسية.
شرح رئيس شعبة تجار الجملة بولاية الجزيرة، أسامة سعد لـ"العربي الجديد" أن عدداً من المحال بالولاية أوقف البيع بسبب الزيادات الكبيرة، لارتفاع تكلفة الترحيل بعد زيادة وعدم ثبات أسعار الوقود، إضافة إلى انعكاسات الحرب في الشرق الأوسط، ساهمت في تفاقم الأزمة. ورغم التطمينات اليومية التي تطلقها وزارة الطاقة السودانية بشأن الوقود واستقرار الإمداد بالسعر المناسب وتأمين المخزون الكلي لحاجة البلاد ومحاربة الندرة، ينذر ارتفاع السلع وندرتها في الأسواق بفجوة كبيرة تؤثر على المواطنين وتثير تساؤلات حول قدرة السلطات على توفير الوقود وضبط الأسواق.
وقالت المواطنة سارة محمد، إن الوضع المعيشي أصبح "بالغ الصعوبة"، مشيرة إلى أن سعر أربع قطع من الخبز وصل إلى ألف جنيه، بعدما كان السعر ذاته يمنح ست قطع في السابق، وأضافت أن أسعار السلع الاستهلاكية الأخرى ارتفعت بدورها، ما يجعل تلبية الاحتياجات اليومية تحدياً كبيراً.
وفي الأثناء أعلنت اللجنة الاقتصادية في مجلس الوزراء حزمة إجراءات جديدة تستهدف كبح تدهور سعر الجنيه السوداني، في محاولة لاحتواء الفجوة المتزايدة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازية، التي باتت تعكس اختلالات عميقة في الاقتصاد الوطني المتأثر بالحرب المحلية والإقليمية. وطمأنت اللجنة إلى توفر السلع الاستراتيجية واحتياطات النقد الأجنبي، لكنها أقرت في الوقت ذاته جملة من التدابير الصارمة، أبرزها الحد من استيراد السلع الكمالية، وتعزيز الصادرات، وتشجيع تحويلات المغتربين عبر القنوات الرسمية.
كما شملت الإجراءات ضبط حصائل الصادرات، وترشيد الإنفاق الحكومي، ومنع الجبايات غير القانونية، إلى جانب تسريع استكمال مشروع استبدال العملة، وإلزام المؤسسات الحكومية بالتحصيل الإلكتروني في خطوة تهدف إلى تعزيز الشفافية ومحاربة الفساد. ورغم هذه المساعي، لا تزال الفجوة قائمة في أسعار الصرف، إذ يبلغ سعر الدولار في البنوك نحو 3350 جنيهاً للشراء و3375 للبيع، بينما يتجاوز في السوق الموازية 3600 جنيه.
