عربي
وسط اضطراب سلاسل التوريد الذي خلفته الحرب الإيرانية الأخيرة، والقفزات الجنونية في أسعار النفط، تبرز مساعي الجزائر لتعزيز تموقعها بديلاً استراتيجياً عبر اندفاع لافت نحو العمق الأفريقي. شمل هذا التوجه تقديم الدعم لدول مثل موريتانيا، النيجر، بوركينا فاسو، كوت ديفوار، زيمبابوي، موزامبيق، تشاد، بهدف بناء قاعدة صناعية طاقوية محلية. ولم يعد الأمر مجرد تصدير، بل انتقل إلى نقل تكنولوجيا الاستكشاف والتنقيب، وتطوير قطاعات المناجم والكهرباء والتكرير، وصولاً إلى إدارة منشآت التخزين والتموين، لتأمين القارة من تقلبات الأسواق الدولية.
فقد أعلنت الجزائر استعدادها لمرافقة موريتانيا في تطوير قطاع الطاقة، حيث جدد وزير الطاقة والمناجم الجزائري، محمد عرقاب، خلال لقائه مساء الثلاثاء الماضي نظيرَهُ الموريتاني، محمد ولد خالد، "استعداد الجزائر عبر مجمع سوناطراك لمواكبة تطوير صناعة النفط والغاز في موريتانيا". وشدد الوزير عرقاب على عزم بلاده على تقاسم خبراتها مع الجانب الموريتاني في مشاريع الاستكشاف والإنتاج، ويأتي ذلك في وقت تستعد فيه المؤسسات الجزائرية الناشطة في قطاع المحروقات لدخول السوق الموريتانية، ولا سيما في مجالات تسويق المنتجات البترولية، الوقود، والكهرباء.
أكدت مصادر وزارة الطاقة الجزائرية أن هذا التوجه الحكومي الذي يدفع باتجاهه الرئيس عبد المجيد تبون "يرمي إلى توطيد الشراكات الأفريقية وتعزيز التعاون جنوب-جنوب"، ويشمل أيضاً دولة النيجر، ففي 26 يناير الماضي، قام عرقاب بزيارة ناجحة إلى نيامي، وتم الاتفاق على إعادة تنفيذ خطة التعاون في مجال الطاقة والمحروقات والكهرباء، والتي كانت وقعت في أكتوبر/ تشرين الأول 2024. وتشمل مشاريع بحث واستكشاف وأعمال التنقيب عن المحروقات في الحقل النفطي "كفرا" بين شركة المحروقات الجزائرية سوناطراك، وشركة المحروقات النيجرية سونيديب وإنجاز مصفاة ومجمع بتروكيميائي في مدينة دوسو في النيجر.
تعزز هذه الاتفاقات تسريع إنجاز أنبوب الغاز نيجيريا-الجزائر العابر للنيجر، والذي يسمح بنقل أكثر من 25 مليار متر مكعب من الغاز سنوياً نحو أوروبا. بعد النيجر كان التطلع الجزائري متوجهاً نحو بوركينا فاسو التي وصلها في فبراير الماضي وفد وزاري جزائري يضم عرقاب، ووزير الطاقات المتجددة مراد عجال، رفقة مديري كبرى شركات الطاقة؛ قدمت الجزائر حزمة عروض تتضمن التموين بالمنتجات البترولية المكررة، والمساعدة على تطوير قدرات التخزين والتوزيع، وإنتاج الغاز ونقله ونقل الخبرة الجزائرية والمعرفة والتكنولوجيا في مجال الطاقة.
ورأى الخبير الجزائري في مجال الطاقة والاقتصاد، سيف الدين قداش، في تصريح لـ"العربي الجديد"، أن "التحول الجزائري الحالي نحو دخول أسواق الطاقة في دول الجوار يقع ضمن مجالها الجيوسياسي الطاقوي التقليدي؛ وهو المجال الذي غفلت عنه طويلاً رغم كونها دولة منتجة ومرتبطة جغرافياً بدول الساحل". واعتبر قداش هذا التوجه "خياراً حيوياً" لتموين المنطقة بالطاقة بمختلف أشكالها (وقود، وكهرباء، وغاز)، سواء عبر الإمدادات المباشرة أو لوجستياً من خلال مد الأنابيب والإنشاءات.
وأكد أن هذا التعاون من شأنه ترسيخ العلاقة الاستراتيجية بين الجزائر وهذه الدول، نظراً إلى أهمية "الدبلوماسية الطاقوية" في تحقيق الاستقرار السياسي وتعزيز المصالح المشتركة. كما شدد الخبير على ضرورة انخراط الجزائر في شراكات إقليمية فاعلة، تشمل إنجاز مشاريع البنية التحتية وشبكات الطاقة أو من خلال عمليات التكرير والإنتاج. بدوره، أكد الخبير الاقتصادي، مراد ملاح، الذي أشرف على مشاريع عدة في دول أفريقية، في تصريح لـ"العربي الجديد"، أن المتغيرات الدولية وحاجة القارة الأفريقية إلى تأمين إمداداتها وفرت "فرصة سانحة" للجزائر لتعزيز حضورها الطاقوي.
ورأى ملاح أن هناك عاملين أساسيين يصبان في مصلحة الجزائر: الأول سياسي ينطلق من ثوابت السياسة الخارجية الجزائرية المنافحة عن السيادة الكاملة للدول الأفريقية؛ إذ إن استقلال القرار السياسي يمر حتماً عبر تأمين مصادر الطاقة. والثاني تقني، يتمثل في "الكفاءة الطاقوية" التي جعلت من الجزائر ملاذاً آمناً، ليس فقط لجيرانها الأفارقة بل للدول الأوروبية أيضاً، وهو ما فسرته الزيارات المتتالية لعديد القادة والمسؤولين الأوروبيين إلى الجزائر مؤخراً. وأعلن الرئيس تبون في يناير الماضي أن "الجزائر على استعداد لتقاسم خبرتها، ومرافقة جهود جمهورية تشاد في هيكلة وتثمين قطاعاتها الاستراتيجية".
وجرى توقيع ثلاث اتفاقات بين مجمع سوناطراك والمؤسسة التشادية للمحروقات لتطوير قطاع المحروقات في تشاد، وإقامة شراكات في أنشطة الاستكشاف والتطوير والإنتاج ونقل موارد المحروقات وتثمينها، ونقل الخبرات والمعارف التقنية، ونقل الكوادر التشادية للتدريب في المعهد الجزائري للبترول. وفي السياق نفسه أطلقت الجزائر وكوت ديفوار عام 2024، مساراً جديداً للتعاون، وفي 28 مارس/ آذار المنصرم، وصل وزير المناجم والبترول الإيفواري مامادو سانكافوا كوليبالي إلى الجزائر، للتوقيع على اتفاق تعاون شامل في مجالات المحروقات والمناجم والطاقة.
يشمل الاتفاق البحث والاستكشاف والتكرير والبتروكيمياء ونقل المنتجات البترولية وتسويقها، وكذا استكشاف الموارد المنجمية واستغلالها وتحويلها وتكوين الكوادر. وفي أكتوبر 2025، وقعت الشركة الموزامبيقية "إمبريسا ناسيونال" للمحروقات وشركة المحروقات الجزائرية سوناطراك تفاهمات تتعلق بتعزيز التعاون الثنائي في قطاع النفط والغاز، والشراكة في مشاريع استكشاف وإنتاج المحروقات في موزامبيق، والتي تمتدُّ إلى نشاطات النقل والمصب، وتدريب القدرات التقنية للكوادر العاملة في الشركة الموزامبيقية.
