عربي
فيما كانت الأنفاس محبوسة منتصف ليل الثلاثاء الأربعاء، خرج الدخان الأبيض مع الإعلان الباكستاني عن اتفاق لفتح مضيق هرمز امام الملاحة الدولية ووقف إطلاق النار أسبوعين يجري فيهما تفاوض أميركي إيراني حول اتفاق نهائي. وقد تنفس الجميع الصعداء، باستثناء مجتمع الحرب الإسرائيلي. وبالرغم من أن بنود الاتفاق المؤقت لم تكن واضحة أو محدّدة بصورة كافية، لم يُعرف على وجه الدقة على ماذا وافق الأميركيون والإيرانيون، وكيف انتصر الطرفان معاً، إلا أن التفاؤل ساد مع إعلان كل من واشنطن وتل أبيب الالتزام بوقف إطلاق النار.
وبينما انهمك سياسيون ودبلوماسيون ومعلقون في أرجاء شتّى من العالم صبيحة اليوم التالي في تداول الآراء حول مضيق هرمز وفرص نجاح المفاوضات المباشرة بين الطرفين في إسلام أباد أو إخفاقها، لم تتأخّر الأنباء السيئة، إذ بدأت تترى في ذلك النهار مع مواصلة إيران استهداف دول الخليج بمسيّرات وصواريخ، مع أن هذه الدول رحّبت بالاتفاق. ولم يكن هناك من تفسيرٍ لهذا الخرق الخطير، فهل التعامل مع دول الخليج مثلاً خارج الاتفاق؟. علماً أنه نُسبت تصريحاتٌ إلى مسؤولين إيرانيين تفيد بأن الاتفاق شامل لجميع الجبهات. أما الرئيس دونالد ترامب فقد تحدّث عن قبوله الاتفاق المؤقت باسم بلاده وباسم الحلفاء والشركاء في الشرق الأوسط، مشدّداً على أن الاتفاق فاتحة لازدهار ينتظر منطقتنا.
أثارت التعديات الإيرانية الجسيمة والمتكرّرة على دول الخليج، صبيحة اليوم الأول للاتفاق، مشاعر النقمة الشديدة، إذ لطهران أن تناور كما تشاء، وأن تخلط الأوراق إذا شاءت، في صراعها مع واشنطن وتل أبيب، ولكن ما شأن دول الخليج كي تكون مسرحاً متجدّداً للألعاب الإيرانية الخطيرة والعدائية؟ لقد تكفلت طهران بالكشف عما يعتري الاتفاق من ضعف في الجدّية، وحيث جرى التدليل على أن النظام في طهران ينقصُه حقّاً حُسن النية تجاه جيرانه، وأنه يكاد يضعهم في خانة الأعداء، فقد التزم من جهته بوقف إطلاق النار نحو أهداف أميركية وإسرائيلية، وقفز عن هذا الالتزام باستهدافه مجدّداً دول الخليج ساعاتٍ بعد إعلان وقف إطلاق النار.
لم تكن إيران وحدها من أخلّت بالاتفاق، إذ سارع الطرف الإسرائيلي إلى تسعير حملة قصف تدميري لمواقع في لبنان
لم تكن إيران وحدها من أخلّت بالاتفاق، إذ سارع الطرف الإسرائيلي إلى تسعير حملة قصف تدميري لمواقع في لبنان، شملت مناطق في الجنوب وفي العاصمة وفي شرق البلاد، موقعاً مئات الضحايا. وقد سارعت واشنطن إلى التعقيب على هذه المجازر بأن لبنان غير مشمول بالاتفاق، ومعنى هذا أنه "يحقّ" للطرف الإسرائيلي ارتكاب المجازر مجدّداً في هذا البلد، وقد واظبت واشنطن بذلك على إبداء اللامبالاة التامة حيال سقوط مدنيين وتدمير بنى تحتية في لبنان، وكما كان الأمر وما زال في غزّة. علماً أن الطرف الإسرائيلي لم يتوقف عن استهداف لبنان قبل الحرب الأخيرة وخلالها، ما يجعل من وقف الحرب عليه شرطاً لجديّة وقف إطلاق النار وشموليته في المنطقة، وهو ما عبّرت عنه قيادات سياسية في الغرب والشرق.
وقد كان من المفارقات أن إيران قد أبدت احتجاجاً شديد اللهجة على استهداف لبنان، وهددت بمراجعة الاتفاق المؤقت والتخلي عنه إذا ما تواصل استهداف لبنان، في وقت كانت تستهدف السعودية والبحرين وقطر والكويت والإمارات! وكأن الاتفاق الذي تم يجيز الاستمرار في التعدّي على دول الجوار، أما إسرائيل فإنها تقرّر ماهية ما تم الاتفاق عليه، وكأنه ليس هناك طرف آخر فيه.
لا يحتاج المرء الى إنعام نظر طويل كي يستخلص أن تعامل موقعي الاتفاقيات معها بات ضرباً من التذاكي الخطير، بحيث يُنظر إليها أنها تُلزم الجانب الآخر، و"لا تُلزمنا بالضرورة". فقد تم توقيع اتفاق لبناني إسرائيلي بوساطة أميركية يوم 27 نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، ثم لم يتوقف الطرف الإسرائيلي عن انتهاكه، ولم تتوقف واشنطن عن التغاضي عن هذه الانتهاكات. وجرى توقيع اتفاقيتين لوقف إطلاق النار بين الطرف الإسرائيلي وحركة حماس في يناير/ كانون الثاني ثم في أكتوبر/ تشرين الأول 2025 برعاية أميركية وفي عهد الرئيس ترامب، وقد تنصلت تل أبيب من مقتضاهما، وأوقعت مئات القتلى في صفوف المدنيين المنكوبين، وسط تجاهل أميركي لهذه الانتهاكات والجرائم المتعمّدة.
في هذه الآونة، تعمل طهران على محاكاة هذا النهج الإسرائيلي بالتنكّر لفحوى اتفاق إسلام أباد، واستهداف دول الخليج، وكأن هذه الدول غير مشمولة به، فهي لم تشارك حقاً في الحرب، غير أنها تعرّضت للحرب من الجارة إيران، بما يجعلها مشمولة بالاتفاق.
إسرائيل لا تريد التوقف عن محاولات فرض سطوتها الدموية على المنطقة باستهداف شرائح كبيرة من المدنيين والبنية التحتية
ليست هناك نيّات حسنة لدى أطراف هذه الحرب، ومع أن الله أعلم بالسرائر، يكشف السلوك ما يستبطنه السياسيون في الصراعات، فإسرائيل لا تريد التوقف عن محاولات فرض سطوتها الدموية على المنطقة باستهداف شرائح كبيرة من المدنيين والبنية التحتية المدنية. حدث هذا وما زال يحدُث في غزّة ثم في لبنان. وتضع لنفسها امتيازات واستثناءات تجيز مواصلة الحرب بعد سريان اتفاقيات وقف إطلاق النار. وتعتبر أن الطرف الآخر وحده المُلزم بالاتفاقيات.
هل يفيد ما تقدّم بأن فرص نجاح الاتفاق ونجاح المفاوضات ضعيفة؟ نعم، فالمتنازعون لا يؤمنون بنعمة السلام عليهم وعلى غيرهم، ولا يُصغون في الحالتين، الإيرانية والأميركية، إلى شعوبهم، رغم البون الشاسع بين النظامين. وكل منهما لا يستند إلى مرجعيةٍ خارجه، إلى مرجعية دولية، لا إلى الأمم المتحدة، ولا بالتعاون مع قطب دولي آخر.
وما دام الطرف الدولي شبه الوحيد المؤهّل إلى التدخّل السياسي، وهو الصين، ينأى بنفسه عن هذا النزاع الخطير وعن جهود إطفائه، ويكتفي بحضور سياسي ودبلوماسي شحيح في هذه الأزمة، تشتدّ مخاطر النزاع، ولن تجد بلاد التنين بعدئذ مع سياسة إدارة الظهر، ما يكفي من موارد الطاقة لمصانعها، ولا أسواقاً لتصريف بضائعها، فالكل سوف يُمنى بالخسارة، ولن يجني ربحاً، خلافاً لمقولة "الكل رابح" التي دأبت بكين على ترديدها. مع تساؤلٍ لا بد من إثارته، فكيف لدولةٍ متوسّطة الحجم السياسي والعسكري، مثل باكستان، أن تبرهن على حضورها بزخم ودينامية في هذه الأزمة، فيما تتلكأ دولة كبرى، مثل الصين، في الإلقاء بثقلها من أجل حماية السلام الدولي، أم أن مصالح التجارة الدولية تتقدّم على قيمة الأمن والسلام؟
