الرشاد برس- تقرير
يقدّم مقال الشيخ الدكتور- محمد بن موسى العامري- رئيس الهيئة العليا لإتحاد الرشاد اليمني قراءةً سياسية وفكرية في طبيعة التمدد الإيراني داخل المجتمعات السنية، من خلال “بوابات الاختراق” التي اعتمدتها طهران لتوسيع نفوذها خارج حدودها المذهبية والجغرافية.
ويقوم المقال على فكرة مركزية مفادها أن إيران لم تتحرك عبر الأدوات العسكرية والتحالفات الإقليمية وحدها، بل استثمرت الرموز الكبرى والقضايا الجامعة، وفي مقدمتها فلسطين وأهل البيت والتقريب بين المذاهب والإعلام والثقافة، لتصوغ حضورًا يتجاوز حدودها التقليدية.
القضية الفلسطينية بوابة النفوذ
يرى المقال أن القضية الفلسطينية كانت من أبرز المداخل التي استخدمتها إيران لاختراق الوعي العربي والإسلامي، مستفيدة من مكانتها الوجدانية والدينية والسياسية.
فقد قدّمت طهران نفسها، منذ قيام الثورة الخمينية، بوصفها راعية للقدس والمقاومة، ورفعت شعارات العداء لأمريكا وإسرائيل، بما مكّنها من تجاوز الحاجز المذهبي، وكسب مساحات واسعة من التعاطف الشعبي.
وفي هذا السياق، لم تعد القضية الفلسطينية مجرد عنوان للتحرر الوطني، بل تحولت، إلى منصة لتوسيع النفوذ الإيراني وإعادة تشكيل صورة طهران في الوعي العام.
يوم القدس وفيلق القدس
ويفرد المقال مساحة مهمة لشرح كيف جرى توظيف “يوم القدس العالمي” بوصفه مناسبة تعبئة سنوية تربط بين الشعور الديني والقضية السياسية، وتمنح إيران موقعًا رمزيًا في قيادة الخطاب المناهض لإسرائيل.
كما يتوقف عند “فيلق القدس” باعتباره ذراعًا عسكرية تتجاوز وظيفتها الأمنية إلى بناء شبكات نفوذ ودعم وحضور إقليمي، خاصة عبر علاقات مع فصائل فلسطينية، وفي إطار ما يُعرف بمحور المقاومة.
ومن خلال هذا المسار، يرى الكاتب أن إيران لم تكتفِ برفع الشعارات، بل عملت على تحويلها إلى أدوات تأثير ميداني وسياسي واسع.
محور المقاومة: من الشعار إلى المشروع
وينتقل المقال إلى تحليل “محور المقاومة” باعتباره أحد أهم الأدوات التي استخدمتها إيران لإعادة تقديم نفسها كقوة إسلامية مركزية في مواجهة إسرائيل والغرب.
وفي هذا السياق، يوضح الكاتب أن الخطاب المقاوم منح طهران هالة إعلامية وسياسية جذبت قطاعات من الرأي العام السني، وفتحت أمامها أبوابًا جديدة للتأثير في الوعي الجمعي.
غير أن المقال لا يتوقف عند البعد الرمزي فحسب، بل يذهب إلى أن هذا المحور تحوّل إلى مشروع سياسي متكامل، يربط بين الساحات المختلفة ويعيد ترتيب الأولويات بما يخدم النفوذ الإيراني في الإقليم.
تسييس القضية الفلسطينية
وفي قراءة أكثر عمقًا، يلفت المقال إلى أن طهران تعاملت مع القضية الفلسطينية بوصفها ورقة نفوذ إقليمي، لا مجرد قضية تضامن أخلاقي أو سياسي.
فالدعم الذي تقدمه لبعض الفصائل الفلسطينية، لا ينفصل عن رغبة واضحة في التأثير على قراراتها، وإبقائها ضمن هامش سياسي ينسجم مع الرؤية الإيرانية.
ومن هنا، يخلص المقال إلى أن إيران تستثمر القضية الفلسطينية في سياق أوسع من بناء الاصطفاف الإقليمي، حتى وإن بدا خطابها في الظاهر مناصرًا للمقاومة وحقوق الفلسطينيين.
وفي السياق ذاته، يرى الباحث في العلوم السياسية “خالد العماري” أن ما عرضه الشيخ الدكتور محمد بن موسى العامري جاء واضحًا في بيان طريقة استثمار إيران للقضية الفلسطينية لجذب الدعم الشعبي في العالم العربي والإسلامي.
ويشير “العماري” إلى أن طهران توظف هذه القضية كأداة لتوسيع نفوذها عبر تحالفات مع جماعات مسلحة مثل حزب الله في لبنان، والمليشيا الحوثية في اليمن، وبعض فصائل الحشد في العراق.
كما يلفت إلى أن هذا الدعم لا ينفصل عن مصالح إيران الجيوسياسية الأوسع، وأنه غالبًا ما يرتبط برغبة واضحة في التأثير على مسار تلك القوى وتوجيهها بما ينسجم مع حسابات طهران الإقليمية.
بين الخطاب والدافع السياسي
ويذهب التحليل إلى أن إيران، رغم تبنيها العلني لقضية فلسطين، تظل مركزة بدرجة أساسية على مصالحها في سوريا والعراق واليمن، وهي ساحات أقرب إلى مشروعها السياسي المباشر.
ومن هذا المنظور، تبدو القضية الفلسطينية جزءًا من أدوات التأثير والابتزاز السياسي، لا أولوية مستقلة في ذاتها.
ويطرح هذا التصور تساؤلات واسعة حول مدى صدقية الخطاب الإيراني، وحول الفارق بين الشعارات المعلنة والمقاصد الفعلية على أرض الواقع.
مظلومية مشتركة وخطاب عاطفي
ويؤكد المقال أن إيران نجحت في ربط مظلومية أهل البيت بمظلومية الشعب الفلسطيني، في صياغة وجدانية مؤثرة تتجاوز الخلافات المذهبية.
هذا الربط، مكّنها من تمرير خطابها داخل أوساط سنية واسعة، مستندة إلى العاطفة الدينية والرمزية أكثر من الاستدلال العقدي المباشر.
بوابة أهل البيت من المحبة إلى التوظيف السياسي
يتناول المقال بوابة أهل البيت باعتبارها من أكثر المسارات حساسية في عملية الاختراق، لأن هذا الباب يقوم على قيمة دينية محترمة ومحبوبة لدى عموم المسلمين.
لكن الكاتب يرى أن إيران عملت على تحويل هذا المعنى من محبة مشروعة وموزونة إلى أداة ولاء سياسي وثقافي، تستثمرها في بناء اصطفاف عابر للمذهب.
توظيف كربلاء ومأساة الحسين
ويشير المقال إلى أن واقعة كربلاء، ومظلومية الحسين رضي الله عنه، تحولت في الخطاب الشيعي السياسي إلى سردية دائمة تُستحضر في كل سياق، بما يجعلها إطارًا تعبويًا لإنتاج الوعي الثوري الفوضوي .
ومن هنا، يرى الكاتب أن هذه الرمزية لم تعد مجرد ذكرى تاريخية، بل أصبحت عنصرًا في صناعة مشروع سياسي طويل الأمد يمتد تأثبره السلبي على المنطقة.
التصوف ونقابات الأشراف
كما يلفت المقال إلى أن بعض الطرق الصوفية، ونقابات الأشراف، والمشجرات العلوية، شكّلت بيئات قابلة للتأثر بالخطاب الإيراني بسبب حضور الرمز العاطفي والروحي فيها.
وقد استثمرت طهران هذه المساحات لتعزيز نفوذها الثقافي والاجتماعي، وتقديم نفسها كوصية على الموروث العلوي.
بوابة التقريب بين المذاهب”المزيف”
تحييد العقيدة لصالح السياسة
ويرى المقال أن أخطر ما في هذا المسار هو محاولة تحييد العقيدة لصالح الأولويات السياسية، بحيث يُدفع جمهور السنة إلى تجاوز الخلافات الجوهرية تحت شعار مواجهة العدو المشترك.
وبهذا المعنى، تحوّل التقريب في نظر الكاتب إلى غطاء دبلوماسي ناعم، يخفف من قدرة المجتمعات السنية على النقد والمراجعة.
التشيع السياسي ولاء يتجاوز المذهب
يفصل المقال بين التشيع المذهبي والتشيع السياسي، موضحًا أن إيران نجحت في استقطاب شخصيات ومؤسسات لا تنتمي بالضرورة إلى المذهب الجعفري، لكنها تتبنى خطابها السياسي وتتحرك ضمن رؤيتها الإقليمية.
وهنا يبرز مفهوم “الولاء السياسي” بوصفه أخطر من التحول العقدي المباشر، لأنه يخلق حلفاء وظيفيين داخل بيئات سنية واسعة.
صناعة نخب مؤيدة
ويشير الكاتب إلى أن إيران عملت على صناعة نخب إعلامية وفكرية ودعوية تتبنى خطابها أو تدافع عنه، خاصة في لحظات الصراع الكبرى مع إسرائيل أو في ظل أزمات المنطقة.
وقد ساعد هذا المسار في توسيع الحضور الإيراني وإضعاف الخطابات الوطنية والدينية التقليدية المناوئة له.
الثقافة والإعلام
المنح والمؤسسات والمنابر
ويتوقف المقال عند الدور الثقافي والإعلامي بوصفه أحد أهم أدوات الاختراق الإيراني، من خلال المنح الدراسية، والمساعدات، والمؤسسات الإغاثية، والندوات، والقنوات الفضائية.
ويرى الكاتب أن هذا النشاط لم يكن بريئًا أو منفصلًا عن السياسة، بل كان جزءًا من هندسة تأثير متكاملة تستهدف تشكيل الوعي وإعادة توجيه الانتماء.
خطاب المقاومة في الإعلام
كما يسلط المقال الضوء على الدور الذي لعبته القنوات التابعة لإيران أو لأذرعها الإعلامية في ترويج صورة “إيران المقاومة”، مقابل تشويه أو تخوين الأنظمة العربية.
وبهذا، تمكنت طهران من بناء ثنائية إعلامية مؤثرة: محور المقاومة في مقابل محور التطبيع، بما عزز حضورها الرمزي لدى قطاعات من الجمهور.
اليمن كأخطر ساحات الاختراق
يعتبر المقال أن اليمن يمثل النموذج الأوضح والأخطر للاختراق الإيراني، حيث تجاوز النفوذ هناك البعد السياسي إلى محاولة صياغة المجتمع والدولة والهوية على مقاس مشروع ولاية الفقيه.
ويؤكد الكاتب أن اليمن ليس فقط ساحة صراع داخلي، بل موقع استراتيجي يتيح لإيران تهديد الممرات الدولية وموازين الأمن الإقليمي.
التعليم والهوية والقبيلة
ويرصد المقال محاولات التأثير في التعليم والمناهج والأنشطة الصيفية، إلى جانب الضغط على المراكز العلمية السنية وتحجيم دور المسجد والخطاب الدعوي التقليدي.
كما يشير إلى أن هذا المشروع ترافق مع تغييرات اجتماعية وقبلية وديموغرافية، هدفها تكريس واقع جديد أكثر قربًا من النفوذ الإيراني.
خلاصة التقرير
في المحصلة، يقدم مقال الشيخ الدكتور محمد بن موسى العامري تشخيصًا سياسيًا وفكريًا يرى أن المشروع الإيراني لم يدخل العالم السني من الباب المذهبي فقط، بل من بوابات الرموز الكبرى، والمشاعر الجامعة، والمفاهيم الملتبسة، والمؤسسات الناعمة.
وتكمن قوة المقال في أنه يقرأ النفوذ باعتباره عملية مركبة، تجمع بين الخطاب والعاطفة والسياسة والإعلام، وتحول القضايا المقدسة إلى أدوات نفوذ عابرة للحدود.
ومن هنا، فإن النص لا يكتفي بالتحذير، بل يدعو إلى وعي أعلى بطبيعة الاختراق، وإلى تحصين المجتمعات من إعادة توظيف الرموز الدينية والسياسية في مشاريع الهيمنة الإقليمية.
إن الإشادات الواسعة بمقال الدكتور العامري “حفظه الله” تتجاوز الإعجاب بشخصه لتصل إلى الاحتفاء بـ “وعي المواجهة”. فالمقال نجح في وضع الإصبع على مكمن الخطر عبر:
تشخيص الداء: تقديم تحليل لا يقبل التأويل لما تمثله طهران كخطر وجودي يهدد الهوية والأمن الإقليمي.
تحصين الوعي: كشف زيف الشعارات الإيرانية (كالمتاجرة بالقضية الفلسطينية) التي تُستخدم كبوابات لاختراق المجتمعات السنية وتفكيك نسيجها.
تثبيت المرجعية: تكريس الشخصية الوطنية كمرجعية فكرية قادرة على قيادة الخطاب المناهض للمشروع الفارسي بأدوات المعرفة والمنطق.
ويمثل الدكتور محمد بن موسى العامري اليوم صوتاً للاتزان الاستراتيجي؛ حيث استطاع بمقاله الأخير أن يقدم تشريحاً دقيقاً لآليات “تصدير الفوضى” الإيرانية، مؤكداً أن الانتصار في الميدان يبدأ بالانتصار في معركة الوعي وتعرية أدوات التضليل التي تقتات عليها طهران وأذرعها الإرهابية في المنطقة
http://قراءة تحليلية في مقال الشيخ الدكتور- محمد بن موسى العامري- حول بوابات الاختراق الإيراني