محمد ديبو: الرواية محاولة لمساءلة معنى الوطن والانتماء والثورة
عربي
منذ ساعة
مشاركة
ينتسب الروائي السوري محمد ديبو إلى جيلٍ اختبر التحوّلات العميقة في الوعي واللغة معاً، وكتب تجربته في تماسٍّ مباشر مع أسئلة الحرية والخوف والهوية. يشتغل على تفكيك الخطاب السياسي والاجتماعي، ويقارب الواقع السوري من داخله، عبر كتابةٍ مشدودة إلى الحقيقة بقدر ما هي مفتوحة على التأمل. هنا حوار معه، بالتزامن مع صدور روايته "خيانات لم يرتكبها أحد". الرواية عندي وقبل أي شيء آخر، فن من حيث تقديم المتعة واللعب والخيال، وعلم من حيث ما يتعلّق بالتاريخ ووثائقه والشخصيات والأحداث السياسية * ما اللحظة التي وُلدت فيها فكرة روايتك "خيانات لم يرتكبها أحد"؟ وهل كانت الرواية استجابة لحدثٍ بعينه، أم تراكماً لتجربة طويلة مع الكتابة والواقع السوري؟ جاءت رواية "خيانات لم يرتكبها أحد" استجابةً لحدث مباشر وتراكم طويل لعدّة مسائل في آن واحد. وسأشرح كيف تمفصل الأمران معاً. ففي عام 2011 اعتُقلت لفترة قصيرة جدّاً، بسبب مشاركتي في الاحتجاجات الجارية ضدّ الدكتاتورية في مارس/ آذار 2011. وبعد خروجي من المعتقل، كُتبت عبارات مثل: "الخائن محمد ديبو"، "يسقط الخائن العميل.." على حائط منزلي. كان ذلك الشرارة الأولى للتفكير في مسألة الخيانة ومعانيها وكيفيّة استخدامها من الدكتاتورية لتطويع الثائرين والمتمرّدين عليها.  لم أكن آنذاك أفكر في الرواية إطلاقاً، إذ كنت مشغولاً بالحدث الكبير وبتفصيل الخيانة داخل هذا الحدث. وهكذا بدأت بجمع المعلومات والوثائق حول هذه المسألة، خصوصاً بعد أن بدأت تردني أخبار عن تكرّر الأمر (الكتابة على الجدران) حول "خائنين" غيري، وإنْ بسياقاتٍ مختلفة. فبدأت أتتبّع وأبحث وأنقّب حتى توافرت لديّ حصيلة كبيرة من المعلومات والوثائق، وهنا قد يكون حصل التراكم الذي تتحدّث عنه.  ثم في لحظة ما، بدأت أفكر في إمكانية كتابة الرواية، وكانت فكرتها الأولى تتمحور حول الخيانة وإمكانية انتقال شخصية ما من معسكر الموالاة للدكتاتورية إلى معسكر المعارضة. بعد ذلك، توسّع المسرح الروائي ليضيف إليها مسألة موقع الطائفة العلوية ضمن التاريخ السوري الحديث (مع عودة جزئية للماضي)، وعن كيفية استغلال نظام الأسد لهذه الطائفة (وهو أمر فعله مع كل الطوائف والإثنيات والجماعات والأحزاب أيضاً) لترسيخ دعائم حكمه الاستبدادي، قبل أن يرحل تاركاً إياها، والمجتمع السوري بطبيعة الحال، في مواجهة وحوش التكفير والإرهاب والفزعات. * الرواية تُفكّك العلاقة بين الفرد والطائفة والدولة. كيف استطعت الموازنة بين الحسّ السياسي والتجربة الإنسانية؟ وإلى أي مدى يمكن اعتبارها نصّاً توثيقياً يشتبك مع السرد التاريخي؟ الرواية عندي وقبل أي شيء آخر، فن من حيث تقديم المتعة واللعب والخيال، وعلم من حيث ما يتعلّق بالتاريخ ووثائقه والشخصيات والأحداث السياسية من جهة، وبالقدرة على ضبط الأحداث والشخصيات والتحكّم فيها من جهةٍ ثانية. ففي الفن عليك أن تطلق العنان للخيال، وفي العلم عليك أن تضبط ذلك بمسطرة لا تقبل أيّ تشظٍّ. وعليه، تعيش الشخصيات ضمن مجال اجتماعي/ سياسي/ اقتصادي محكوم بسلطة توثر فيها، كما تتأثّر بمجالاتها الاجتماعية المُحيطة بها مباشرة، وردات فعلها تختلف بين فرد وآخر وفقاً لوعيها وبيئتها وشخصياتها التي تحتل الجانب النفسي فيها بعداً مؤثّراً إلى حدّ كبير. وللموازنة بين هذه العوالم كلّها، كان عليّ بناء عالم كلّ شخصية وفق محيطها الخارجي من جهة، ووفق عالمها النفسي الداخلي من جهة ثانية. أي إنّ بناء الشخصيات كان باتجاهين نحو الداخل، ونحو الخارج الذي يشارك أيضاً في صنع الداخل. هذا تطلّب قراءة واسعة للإطار العام الذي تتموضع فيه الشخصيات اجتماعياً وسياسياً ونفسياً واقتصادياً. ما يعني قراءة كلّ ما يتعلّق بتاريخ الطائفة العلوية القديم والحديث وواقعها الحالي، ثم التاريخ السوري الحديث على امتداد مائة عام، ثم أحداث الثمانينيات ووقعها في الذاكرة السورية، ثم الثورة السورية وأحداثها الراهنة.  نحن إذن أمام تاريخ سابق (رسمي وشفوي)، وأمام توثيق يتعلّق بالثورة ونتائجها، وأمام شخصيات روائية هي ابنة هذا التاريخ. ولا يمكن لهذه الشخصيات أن تُبنى بلا معرفة عميقة وواعية بكلّ هذه التفاصيل. لكن ما يجب الانتباه إليه هو ألا يتحوّل النص إلى وثيقة تاريخية. هنا تبدأ معادلة الفن والعلم: متى أطلق العنان لخيال الشخصية؟ ومتى أحدّ منه؟ متى أسمح للتاريخ بالظهور؟ ومتى أدفنه تحت السرد؟ * استَخدمت في الرواية تقنياتٍ سرديةً متشظية وزمناً دائرياً. هل هذا التفكّك البنيوي انعكاس مقصود لحالة البلاد والوعي الجمعي؟ يشكّل التكنيك أو الأسلوب أحد أهم عناصر الرواية، لأنّه إحدى الأدوات التي تُروى من خلالها الشخصيات أو تقدّم نفسها للقارئ. ولأن الرواية تخلق تكنيكها المناسب بنفسها، لا شك أنّ موضوعها وطبيعة شخصياتها تطلّبا هذا النوع من التقنية، إذ ليس واقع البلاد هو المُتشظي فحسب، بل يبدو كلّ شيء في زمننا اليوم مفكّكاً وسائلاً، وكأننا أمام زمن دائري يُعيد إنتاج نفسه بالمعنى الوجودي (الصراع المستمر بين الخير والشر)، وبالمعنى المركّب (لا شر مطلقاً ولا خير مطلقاً). لدينا شخصيات قلقة ومركّبة وذات طبقات نفسيّة متنافرة، ما يجعل منها صدى لزمنها المُفكّك ولتاريخ البلاد المُتشظي، تلك البلاد التي يبدو أنها لم تكن وطناً في أيّ وقت.  خذ مثلاً الطائفة العلوية، وهي أحد مواضيع الرواية الأساسية، تعرّضت لمجازر في الماضي، وها هي اليوم تتعرّض لمجازر على الهوية الدينية. هل حقا نعيش في هذا القرن؟ في زمن الحداثة وما بعدها؟ ألسنا أمام زمن يعيد نفسه؟  دكتاتوريات تستنسخ نفسها عربياً، طوائف تستعيد ماضيها، وعالم يتراجع عن قيم الحرية والديمقراطية لصالح الشعبوية والنيوليبرالية.. يكفي أن ندرك أن ترامب رئيس، وأن إبادة جماعية تُرتكب في غزة أمام الشاشات، لندرك أننا أمام زمن دائري. الرواية لم تفعل شيئاً سوى الاستعارة من هذا الواقع الفجائعي الذي فاق الخيال بأشواط. تشكّل عملية "الدفاع عن المجتمع" بالمعنى الذي ذكرتُه سابقاً أحد أهم ما أسترشد به في عملي ورؤيتي. وحين أقول المجتمع، أقصد جميع طبقاته وطوائفه وجماعاته وإثنياته * في الرواية لا نجد بطلاً واضحاً، بل مجموعة مصائر متشابكة. هل هذه رؤية فنية للإنسان السوري اليوم: الفرد الذي تبتلعه الجماعة؟ أعتقد أنّ الرواية عموماً غادرت منذ زمن فكرة البطل الواحد المُهيمن، لصالح الفرد الهامشي، الهش، المُتعب، المُغيّب. فنحن نعيش زمناً يطحن الأفراد ويعجنهم ويعيد تشكيلهم كما يشاء، فيما يحاول الأفراد تفادي المصائر التي تُراد لهم. وإذا كان هذا يحصل حتى داخل الثقافات الغربية التي بلغت فيها الفردانية مستويات عالية نظرياً وعملياً، فإنّه في مجتمعاتنا أصعب، ويكاد يكون مستحيلاً، حيث لم يُعترف بالفرد على أنه فرد بعد، وحيث السلطة للجماعة والدولة والطائفة والآخرين الذين يعرّفون الفرد وفق مصالحهم وأيديولوجياتهم.  فهم يرون أنك: قومي، علوي، سني، عربي، كردي.. أي لا يرونك نسبة إلى جماعة ما أو دين ما أو بيئة ما، ولا يحضر في وعيهم أنك فرد خارج هذه السياقات، فرد تتصارع داخله أنوات متعدّدة ومتباينة. وهذا هو البطل الذي ترصده الرواية اليوم: فرد ضعيف، يقاوم هشاشته، يُقمع صوته، ولا يُرى إلا صدى لجماعة متخيّلة. * على صعيد اللغة في الرواية، اخترت لغة مقتضبة وجافة أحياناً، بعيدة عن الزخرفة. ما معنى هذا الاقتصاد اللغوي؟ وكيف توازن بين التوثيق السياسي والبعد الشِّعري؟ وهل اللغة محاولة لإعادة تعريف مفهوم "الوطن" لغوياً؟ اللغة إحدى أدوات الرواية لقول ما تريد قوله. وهي ليست لغة واحدة في الرواية، بل لغات متعدّدة. وهذا أمر مقصود. فمرة تكون اللغة شِعرية، ومرة تقريرية مباشرة، ومرة تعبيرية أو نثرية.. تتبدّل تبعاً للشخصية التي تنطق بها وللحدث السردي (تاريخي، آني، عام، شخصي..). الهدف هو أن يكون السرد مُقنعاً، والشخصيات مُقنعة، لأنّ القارئ لا يتعرّف إلى الشخصيّة عبر اللغة والتكنيك والأحداث.  وأحياناً يشعر الكاتب أنّ اللغة لا تعبّر عن الشخصية كما يجب، فبعض الشخصيات صعبة ومتمرّدة، فتُعاد صياغة اللغة مرات عدّة حتى تستقيم مع الشخصية أو الحدث. وهذا يعني أنّ لكلّ شخصية لغتها، ولكلّ حدث لغته. إذ لا يُعقل أن تشترك لغة الشيخ أو الموالي للسلطة مع لغة المناضل السياسي أو الإنسان الحالم. ولهذا منحتُ كلّ واحد لغته. وبما أنّ السلطة تحتل موقعاً بارزاً في الراوية، فقد حضرت لغتها بكلّ فجاجتها وجفافها، لأنها لغة بلا روح، وعلى القارئ أن يشعر بذلك من خلال لغة الشبّيح أو ضابط الأمن، مقابل لغة الثائر، مقابل لغة الإنسان الحالم. أما الموازنة بين التوثيق السياسي واللغة الشِّعرية، فقد كنت واعياً أن كلّ شيء يجب أن يكون رواية أولاً. السياسة والشِّعر والتاريخ واللغة والأحداث والشخصيات يجب أن تخضع لفن الرواية. تأتي اللغة الشِّعرية لتكبح جفاف التوثيق، ثم تأتي اللغة الوسطى لتكبح الشِّعر، في حركة دائرية متوازية. وبشكل عام، لا أميل إلى أن تكون اللغة بطلة الرواية، بل إلى أن تكون أداة موظّفة بحرفية. وفي ما يخصّ تفكيك بلاغة السلطة، لم تعمل الرواية على تفكيك خطاب السلطة فقط، بل على تفكيك كل شيء: الطائفة والطائفية، الثورة، التاريخ. لأنّ تفكيك أي معنى يبدأ من تفكيك لغته. ولأنّ السلطة أحد الفاعلين الأساسيين في حياتنا، يصبح تفكيك لغتها ضرورة لفتح أفق التغيير، بحثاً لا عن معنى الوطن فقط، بل عن معنى الحياة. هل سنحتاج إلى أوطان مستقبلاً؟ أو حتى الآن؟ الإجابة تبدأ من إعادة التفكير في البديهيات: لماذا نريد الوطن؟ ما الذي يقدّمه لنا؟ * تناولت مسألة الطائفة بجرأة وتوازن. كيف تفكّك هذا الإرث من دون الوقوع في التعميم أو التحريض؟ كما تُعدّ الرواية قراءة في صناعة الولاء والخوف؟ تشكّل عملية "الدفاع عن المجتمع" بالمعنى الذي ذكرتُه سابقاً أحد أهم ما أسترشد به في عملي ورؤيتي. وحين أقول المجتمع، أقصد جميع طبقاته وطوائفه وجماعاته وإثنياته، من دون أن يتحوّل هذا الدفاع إلى تغطية للأخطاء، بل إلى كشفها والإضاءة عليها من موقع الرغبة في الفهم والتغيير.  ثمة فرق بين التعميم التحقيري والقول إنّ بعض أفراد جماعة ما أو أغلبهم يمتلكون صفات معينة نتيجة ظروف وعوامل محدّدة. في الحالة الأولى يُغلق باب الفهم، وفي الثانية يُفتح المجال لتحليل العوامل المؤثرة والبحث عن حلول.  بعد هذه المقدمة، القصيرة، أستطيع الانتقال إلى موضوع الطائفة والطائفية في سورية وغيرها، وهو أحد المجالات التي أتابعها بدقة وتفحّص منذ مدّة طويلة، حيث جاءت الثورة السورية لتزيل الغطاء عن ما كان كامناً تحت السطح، والتي كشفت الكثير من "العفن" المختبئ تحت السجادة، وأحد أكثر الأشياء التي كشفتها مدى قوة الماضي والطائفية في بلداننا التي لم تعرف المواطنة بعد، فنحن ما زلنا طوائف وقبائل وأقواماً ولم ندخل نادي الحداثة بعد. ولا أقول هذا ذماً بقدر ما هو محاولة توصيف، لأن المواطنة والوطنية هما صناعة قبل أيّ شيء أخر، صناعة تقوم بها النخب والأحزاب والدولة والمؤسّسات، وهذا لم يحصل في تاريخنا الحديث أبداً، بل على العكس عملت السلطات على تأبيد كلّ ما هو دون وطني. وحيثُ إن جذور النظام السابق الطائفية (من دون أن يكون نظاماً طائفياً، بل استبدادياً استخدم الطائفية لإدامة سلطته) ترتبط بالطائفة العلوية، فقد نالت هذه الأخيرة نصيباً كبيراً من التشوية والظلم خلال الثورة وما بعدها. وقد كانت تلك صناعة سياسية حملتها وسائل إعلام ونخب وذباب إلكتروني وأجهزة مخابرات. أمام هذا الواقع، رأيتُ من الضروري تفكيك هذا الوهم و"الجهل المقدّس"، وهو يطاول جميع الطوائف (سنة ودروزاً ومسيحيين وكُرداً وعرباً..)، ولهذا جاءت الرواية لتفكيك تلك المقولات والبحث في أسباب وصول الطائفة إلى هذا الموقع. وهذا ينطبق على مجتمعات أخرى، كما أشار صديقي جاد يتيم، في قراءته للرواية، مثل الشيعة في لبنان، أو السنة في عهد صدام حسين، وعلى السنة في البحرين، إذ تتكرّر الآليات نفسها في كلّ مكان تحكمه سلطة تستند إلى أقلية أو أكثرية. أمام هذا الموضوع الشائك، كنت كمن يمشي في حقل ألغام، أي انزلاق قد يقتل الرواية. لا أريد الدفاع عن المجرمين من أيّ طائفة، وفي الوقت نفسه أريد إنصاف الفقراء والمظلومين الذين وجدوا أنفسهم بين فكي الاستبداد: خوف من السلطة وخوف من الآخر الذي يهدّدهم، كما حصل في مجازر الساحل، وقد تحقّقت نبوءة إحدى الشخصيات حين قال: "سيأتي يوم يصل فيه الدم إلى الركب". نعم الرواية تعمل على تفكيك الطائفية والخوف وآليات السلطة التي تستخدم كلّ شيء لإدامة سلطانها، بما في ذلك شدّ العصبيات الدينية. وهذا ما سعت الرواية إلى إظهاره. هناك من يكتب لأجل المال، وهناك من يكتب لأجل الشهرة، وهناك من يكتب كي لا يموت، وهناك من يكتب بحثاً عن الخلود، وهناك من يكتب لأنه ينظر إلى الكتابة وسيلة مقاومة ضد القبح * ما العلاقة التي تراها اليوم بين الطائفة والهوية؟ وهل ما زالت الكتابة قادرة على إعادة صياغة هذا المفهوم في الوعي العام؟ يشكّل الانتماء الطائفي جزءاً من الهوية الفردية لمن يريد الحفاظ على هذا الانتماء، (نقول لمن يريد لأن هناك من لا يريد هذا النسب بالولادة ويرفضه وهذا حقّه أيضاً، من دون أن يلغي هذا البعد الثقافي الاجتماعي الذي يكتسبه الإنسان من خلال ولادته في مكان أو جماعة ما، فهذا يبقى يشكل جزءاً من الهوية حتى مع رفضه البعد الديني للانتماء الطائفي). من ثمّ، تشكّل الطوائف (من دون طائفية) أحد مكونات الهوية الوطنية لأي بلد، وأقول (أحد) وليس (كلّ)، لأن الهوية الفردية والوطنية لا تختزل بالمكونات الدينية فقط، فهناك الانتماءات الطبقية والسياسية والجندرية والفكرية.. إحدى مشكلاتنا في مسألة الهوية أنها تكاد تكون اختزالية في طريقة طرحها، إذ غالباً ما تختزل بالأبعاد، الديني والإثني والسياسي، فيما يتم تجاهل المكونات الطبقية والجندرية والثقافية...، وهذا البعد الاختزالي للهوية هو ما يُثير إشكالات كثيرة من  سوء الفهم، حين يختزل الفرد بوصفه ابن طائفة أو أيديولوجية أو بلد. ومن ثمّ، لا نعود نرى التنوع الهائل والكبير داخل الجماعة الواحدة، حيث تطغى الصورة المتخيّلة عن هذا الآخر على كلّ ما عداها، وهذا ليس إلا وصفة لحرب أهلية صامتة (من دون سلاح) قوامها الكراهية والشك والخوف من الآخر نتيجة الجهل به، وتعيشها مجتمعاتنا دائماً، قبل أن تنفجر بين الحين والآخر على شكل مجازر أو انتهاكات في حدّ أدنى وحروب أهلية حقيقية (مع السلاح) تتكرّر كلّ فترة في حد أعلى. ما نحتاج إليه للخروج من كلّ ما سبق، هو الاعتراف بالتنوّع بالمعنى العميق للاعتراف، القائم على القبول الثقافي والحريات والدسترة والحماية القانونية، بما يتيح للفرد أن يكون فرداً، لا يشبه غيره والنظر إليه فرداً فقط، أو أفراد أيّة جماعة أن يمارسوا ما يؤمنون به ويعتقدونه من دون وصم أو خوف، بعيداً عن التكاذب الظاهري الذي نشهده اليوم عن حبّ الجميع للجميع واحترام الجميع للجميع، في حين أن الجميع يكره الجميع أو ينظر إليه باستخفاف وعدم احترام في حد أعلى. وبالعودة إلى سؤالك، هنا تأتي أهمية الكتابة ودور المثقف أن يضيء على هذه الإشكاليات من دون مهادنة، وأن يسعى لترسيخ ثقافة قبول التنوّع بالمعنى الحقيقي والعميق للكلمة، والتفكير من خارج الصندوق في محاولة لفتح ثغرة في هذا النفق الطويل، وإلا فسنبقى نكرّر حروبنا الأهلية إلى ما لا نهاية. * في الرواية تكتب عن ما بعد المعتقل، عن أثر الخوف الطويل. هل هي محاولة للنجاة أم نوع من العدالة الرمزية؟ نلاحظ في مدونة السرد العربي الكثير من الكتابات والشهادات عن مرحلة المعتقل وما جرى فيه، مع ندرة في كتابات ما بعد المعتقل، سواء على صعيد الشهادات الشخصية للمعتقلين أو الرواية والبحث، إذ يتم التركيز على مرحلة المعتقل والمعاناة فيه. ولكن معاناة ما بعد المعتقل مرحلة سيئة وقاسية أيضاً على المعتقلين، حيث الخوف الدائم والقلق والكوابيس وتحاشي المحيط وخوفهم منه، كما خوفه منهم، ومن السلطة والبحث عن العمل... هي تفاصيل يومية يعيشها المعتقل، وقد حاولت الرواية رصدها ما أمكن إضافة إلى تجارب أبناء/بنات المعتقلين والمعتقلات في ظلّ غياب الآباء والأمهات، وهي تجربة أخرى لم تُرصد بما يكفي عربياً أيضاً، وقد حاولت الرواية تسليط الضوء عليها. هي ليست محاولة للنجاة ولا عدالة رمزية وإن تضمنا شيئاً من هذا، هي عندي، تخص مسألتين بالأهمية نفسها، أولهما؛ مسؤولية كبيرة تجاه موضوع الرواية، أن أقدّم رؤية ومعرفة تسمح للقارئ بأن يعرف ماذا جرى تجاه مسائل كثيرة مسكوت عنها، من خلال إزالة الضباب المتقصّد وضعه عنها، وهدفي أن يطرح القارئ الأسئلة أكثر مما يحصل على إجابات يقينية، فضلاً عن مسؤوليتي تجاه الضحايا والمجتمع والمعتقلين وعوائلهم، وكلّ من فُهِم خطأً أو وجد نفسه داخل التباسات عميقة من دون أن يكون له ذنب في ذلك. وهنا كان تركيزي على مسائل الخيانة ومفهومها والتباساتها، الطائفة العلوية، المعتقلين وأبنائهم، إنصافاً لكلّ من مرّ بتلك التجارب الصعبة، وفي محاولة لتفسير الكثير من الأمور التي حصلت في الثورة السورية، عن جيل جديد كسر القيود وطالب بالحرية رغم معرفتهم بالثمن الكبير الذي دفعه آباؤهم. وإذا كان لي من طموح هنا، فسأكون أكثر من سعيد، إن رأى المعتقلون وأبناؤهم أن هذه الرواية تنصفهم أو تمنحهم نوعاً من عدالة رمزية كما ذكرت. لكن الأكيد عندي، أني كنت أريد إنصافهم وأنا أكتب. وهنا أقول لهم، وقسم كبير منهم أصدقاء شخصيون: إن نضالكم ونضال آبائكم وأمهاتكم لم يذهب سدى، وإنّ معاناتكم/ن أثمرت أخيراً، والطريق طويل بعد. وثانيهما أن أكتب عملاً روائياً، يخضع لشروط الفن الروائي قبل أي شيء آخر. * هل تعتقد أنّ الكتابة يمكن أن تكون من أشكال المقاومة ضدّ العدم واليأس؟ يختلف الأمر بين كاتب وآخر. هناك من يكتب لأجل المال، وهناك من يكتب لأجل الشهرة، وهناك من يكتب كي لا يموت، وهناك من يكتب بحثاً عن الخلود، وهناك من يكتب لأنه ينظر إلى الكتابة وسيلة مقاومة ضد القبح والجمال والدكتاتوريات والتسليع، وهناك من يكتب لأجل ذلك كله معاً أو بعضه على الأقل، فلا حدود واضحة هنا، إنما متداخلة. في رأيي، الكتابة وسيلة مقاومة، صرخة ضدّ الظلم، محاولة لقول وجهة نظر مغايرة للسائد، ووسيلتي الوحيدة للصراخ في وجه هذا العالم. * هل ترى أنّ القارئ العربي مستعد لتلقّي رواية تشتبك بهذا العمق مع البنية الطائفية والسياسية السورية؟ القارئ، أي قارئ، سورياً كان أم عربياً أم أجنبياً، مستعد لكلّ شيء، شرط أن يكون المكتوب مكتوباً بشكل صحيح. ما الذي يجعلنا نقرأ ماركيز أو إيزابيل الليندي أو كوندي أو شيمامندا أو أي أدب مكتوب بلغات لشعوب لا نعرف عن تاريخها وصراعاتها شيئاً. سأعطيك مثالاً رواية شيمامندا "نصف شمس صفراء" تتحدث عن بلدها الأم نيجيريا وعن صراعاتها، وهي طويلة أكثر من  600 صفحة، وأيضاً رواية "سفينة نيرودا" لإيزابيل الليندي عن الحرب الأهلية الإسبانية ثم تشيلي وفنزويلا، وفي رواية طويلة وممتعة. ومع ذلك يقرأ القرّاء في العالم هذه الروايات بشغف ومتعة. السرّ ليس في القارئ، بل في الكاتب، هل ينجح في جعل موضوعه عالمياً؟ هل يكتبه روائياً بطريقة صحيحة؟. * كيف ترى مستقبل الرواية السورية في ظلّ الخراب والانقسام؟ وهل ما زال للأدب دور في ترميم الذاكرة؟ في ما يخصّ الرواية، ليس السورية فقط بل العربية أيضاً، منذ مدّة وأنا أفكّر في كلّ من حنا مينة ونجيب محفوظ، كيف تمكّنا من جعل الرواية في كلّ بيت؟ هل المسألة تكمن فقط في أنّ الزمن الذي كتبا فيه كان زمن صعود ونهضة وثورة.. ثم كان ثمّة مناخ مُتفائل، وقارئ مشجّع للقراءة؟ أم أنّ السر في كتابتهما؟ أم في الاثنين معاً؟  إذا أخذنا نسبة الأمية التي كانت سائدة في زمنهما وقلّة التعليم والمدارس مقارنة بزمننا، حتى لو كان زمن انكسار وهزيمة، من المُفترض أن تكون النسبة في صالحنا. مع ذلك يظهر العكس. بعيداً عن مسألة الزمن المُحيط بنا ونوعه، أعتقد أنّ المسألة الأولى أولاً في الكتابة وطريقة الكتابة. لقد كتب حنا ومحفوظ لذلك الجيل بلغته وعن مشكلاته ويومياته، عن أبطال الحياة اليومية، وبلغة قريبة من فهم هذا الجمهور ومعاناته.. في حين يبدو لي اليوم أن الرواية السورية والعربية، بعدهما فقدت شيئاً ما، على الأقل على صعيد العلاقة بالجمهور. ليس الحل في أن نكتب كما كتبا قبل أكثر من 50 عاماً، فهذا مستحيل، بل أن نعيد التفكير في كيف نكتب وعمّن نكتُب ولمن ولماذا نكتب. من إجابتي أعلاه، يظهر واضحاً أن رؤيتي إلى الرواية السورية والعربية ليست متفائلة، وهذا يحزنني. يحزنني جداً أن يقرأ القارئ العربي إيزابيل الليندي وماركيز وكوندي أكثر مما يقرأ أدباً بلغته. وبالطبع، ليس الهدف الدعوة إلى مقاطعة هؤلاء، بل العكس، أدعو إلى قراءتهم أكثر وأكثر، ولكن إلى جانب قراءة أدبنا العربي، وكي يحصل هذا على الكاتب العربي، ولا أستثني نفسي من هذا النقد، أن نفكر في كيفية جعل أدبنا مقروءاً. وفي ما يخصّ الشق الثاني من سؤالك، ما إذا كان للأدب دور في ترميم الذاكرة، فإجابتي نعم، بل أكثر من هذا أيضاً، هو يرمّم الذاكرة ويدفعنا إلى إعادة بنائها، فعندما يقرأ المرء أية رواية، لا تعود ذاكرته كما كانت قبلها، سواء كان موضوع الرواية يخصّ ذاكرته بشكل مباشر أم يتحدّث عن ذاكرة شعب آخر، لأن ذاكرة البشرية في النهاية واحدة، وذواكر الشعوب ليست إلا جزءاً من هذه الذاكرة الجمعية. وعليه، فأيّة قراءة تُعيد تشكيل ذاكرتنا وتساعدنا على التعافي. وبعيداً عن الذاكرة، يبقى الأدب هو المحرّض الخفي على الثورة والتغيير، وأسميه المحرّض الخفي هنا، لأنّ دوره ليس مباشراً، إنما تراكميٌّ، إذ يعمل على تغيير الوعي ودك أسس الدكتاتوريات قبل أن تبدأ الثورات فعلها النهائي، لأن الأدب هو من يقول لنا إنّ ما نراه هو دكتاتورية وليس نظاماً طبيعياً، هو من يقول لنا إن هذا احتلال وليس سلطة جاءت لنشر الحرية وإدخالنا نادي الحضارة، هو من يقول لنا إن قتل المرأة بداعي "الشرف" جريمة وليس شرفاً، هو من يسلّط ضوءاً ساطعاً على كل ما نعتقد أنه طبيعي في حياتنا، ليقول لنا إنه أمر غير طبيعي، وهنا يتغيّر وعينا وتتغيّر نظرتنا إلى الأشياء ثم تأتي الثورات أو الانتفاضات أو محاولات التغيير. ومن هنا، دور الكتابة ومنها الأدب، أساسي وليس ثانوياً في حياة البشر وفي مسيرة التاريخ البشري.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية