عربي
بالتزامن مع تصاعد التوترات العسكرية في المنطقة، على خلفية الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، اتخذت دوائر الآثار والمتاحف في عدد من المحافظات العراقية إجراءات احترازية غير مسبوقة، تمثلت برفع راية "الدرع الأزرق" فوق مواقع تراثية ومتاحف بارزة، في خطوة تحمل أبعاداً أمنية وثقافية.
في محافظة ذي قار، جنوبي البلاد، شمل الإجراء مدينة أور الأثرية والزقورة الشهيرة، إلى جانب متحف الناصرية الحضاري، حيث رفعت الجهات المختصة الراية الدولية التي تُستخدم لحماية الممتلكات الثقافية أثناء النزاعات المسلحة، وتوسعت الخطوة لتشمل مواقع أخرى في نينوى والبصرة، فضلاً عن موقع الوركاء في محافظة المثنى. ويستند هذا الإجراء إلى اتفاقية لاهاي 1954، التي تجرّم استهداف المواقع الثقافية أثناء النزاعات المسلحة، وتمنحها حماية قانونية دولية، كما ترتبط هذه الخطوة بجهود منظمة الدرع الأزرق الدولية، التي تأسست عام 1996 لتنسيق حماية التراث العالمي في أوقات الأزمات.
وأوضح هادي الربيعي، مسؤول في دائرة الآثار في جنوب العراق، لـ"العربي الجديد"، أن "رفع الدرع الأزرق لا يقتصر على كونه إجراءً رمزياً، بل يمثل رسالة واضحة للأطراف المتنازعة بأن هذه المواقع محمية بموجب القانون الدولي، وأن استهدافها يعد جريمة حرب"، وأضاف أن "الخطوة تأتي ضمن خطط الطوارئ التي تشمل توثيق القطع الأثرية، وتعزيز الحماية الميدانية، وتقليل المخاطر في حال وقوع ضربات جوية". كما أشار إلى أن "اختيار التوقيت يعكس تقديراً للمخاطر المحتملة في ظل بيئة متوترة، حيث قد تمتد تداعيات أي مواجهة عسكرية إلى الداخل العراقي، بما في ذلك استهداف غير مباشر لمواقع حساسة". من جهته، قال حازم البياتي، الناشط في مجال الآثار، في حديث لـ"العربي الجديد"، إن "هذه الإجراءات تعكس وعياً متزايداً بأهمية حماية الإرث الحضاري، خصوصاً بعد التجارب القاسية التي مر فيها العراق"، وأشار إلى أن المتاحف والمواقع الأثرية تعرضت لعمليات نهب وتدمير خلال غزو العراق عام 2003، قبل أن تتعرض مواقع أخرى للتخريب خلال سيطرة تنظيم "داعش" على مناطق واسعة عام 2014. وأضاف أن "رفع الدرع الأزرق اليوم لا يحمي الحجر فقط، بل يحمي الهوية والذاكرة الجماعية، ويبعث برسالة للمجتمع الدولي بضرورة تحمل مسؤولياته في حماية التراث الإنساني".
يهدف رفع "الدرع الأزرق" إلى حماية الهوية والذاكرة الجماعية
ويُنظَر إلى هذا التحرك بوصفه جزءاً من استراتيجية أوسع لتقليل الأضرار المحتملة في حال تصاعد الصراع، في بلد يضم إحدى أقدم الحضارات في العالم. كما تأتي هذه الإجراءات في ظل بيئة أمنية معقدة تشهدها البلاد، حيث تتقاطع التوترات الإقليمية مع واقع داخلي لا يزال هشاً، ما يدفع المؤسسات الثقافية إلى تبني مقاربات أمنية لحماية مواقعها. وبينما لا تشير المعطيات الحالية إلى تهديد مباشر لهذه المواقع، فإن اعتماد "الدرع الأزرق" يعكس تحولاً في إدارة ملف التراث في العراق، من الاستجابة بعد الأزمات إلى العمل الوقائي الاستباقي، في محاولة لتفادي تكرار خسائر الماضي.

أخبار ذات صلة.
إصدارات.. نظرة أولى
العربي الجديد
منذ 5 دقائق