كي لا يُختزل الفلسطيني في رقم
عربي
منذ ساعتين
مشاركة
لم تُسلّم عائلة الشهيد وديع عليان (14 عاماً) جثمان ابنها. لم تودّعه كما يليق بطفل على الأقلّ، بل انتهى الأمر بجسده في "مقابر الأرقام" حيث لا اسم له في شواهد القبور؛ اسم كان هويةً ذات حياة، ينادى به في بيته، أو يناديه به رفاق اللعب والدراسة. يُحرم الإنسان الفلسطيني حتى من وداع أخير، قبل أن يختزل في رقم. تلك ليست حالةً فرديةً لمن يريد أن يتذكّر، وهي ممارسة تكشف منطقاً إسرائيلياً أكثر عمقاً ووحشية يتيح إدارة الفلسطيني بوصفه رقماً يسهل عبوره في الملفّات الأمنية والإحصائية، وفي نشرات الأخبار والبيانات العسكرية، بعكس الاسم الذي يربك اقتصاد الموت حين يعيد الإنسان إلى مركز المشهد، وحين يضيف إلى الغياب ملامحَ إنسانية بدل برود الإحصاء. تتجاوز مقابر الأرقام الإسرائيلية أن تكون إجراء أمنياً وإدارياً لترتيب القتل، أو ملفّاً تفاوضياً (بتعبير المحكمة العليا الإسرائيلية في تبرير احتجاز الطفل عليان) لتصبح بنية عقابيةً في منظومة انتقامية تمتدّ مدى الحياة. يحاول موقع "أنا لست رقماً" أن يعيد الأرقام إلى سياقها الإنساني، بأن يبرز الرقم اسماً له تاريخ وحياة سابقة، يفضح الجريمة وقاتله. يكفي أن تمرّر إصبعك في هاتفك النقّال على مساحة سوداء امتلأت بنقاط بيضاء كأنّها نجوم ليل طويل. لا تعيد كلّ نقطة الحياة إلى صاحبها، لكنّها تمنحه تفصيلاً يردّه إلى سياقه الإنساني. هكذا تُستعاد ضحايا الإبادة في غزّة من الاختزال الرقمي، في فعل مقاوم لآلة القتل التي تحوّل ضحاياها إلى أعداد؛ نحو 72 ألف نقطة كانت أرقاماً في نشرات الأخبار وتقارير منظّمات الأمم المتحدة وغيرها من منظمات إنسانية وحقوقية، تحوّلت إلى 72 ألف اسم لحيوات مقطوعة، ولآلاف العائلات المفجوعة، وأضعافها من التفاصيل، والأحلام التي تبدّدت مرّةً واحدة. إن كان للعدد قدرةٌ على مراوغة الذاكرة، فإنّ الاسم قادر على تنشيط الخيال وإعادة الحضور الإنساني الذي سلبه العدد. إنّها محاولة لانتزاع الفلسطيني من "مقبرة الأرقام" إلى سياقه الإنساني، وتخليده اسماً. ولا تقف مقاومة الاختزال عند حدود استعادة الاسم وحده، فلا بدّ من إنقاذ القصّة نفسها من الضياع كي لا يبقى الفلسطيني مجرّد ضحية قابلة للإحصاء. هنا يحاول "قصص فلسطينية" حفظ الروايات الفردية بوصفها جزءاً من "الرواية الأمّ"، لا باعتبارها شهادات على الهامش. والموقعُ مشروع انتقل من الخاصّ إلى العام، يتكلّم فيه الإنسان الفلسطيني/ الضحية بلسانه، يروي يومياته، وخوفه، وفقده، وتفاصيل حياته في الحرب والسلم. هي محاولة لا تقلّ أهميةً عن توثيق الأسماء، إذ تردّ الإنسان إلى زمنه الخاص، وإلى ذاكرته، وإلى المكان الذي عاش فيه، لا إلى مجرّد اللحظة التي فقد فيها من يحبّهم، ولا إلى تلك اللحظة فقط، التي قد يموت فيها الراوي نفسه في فضاء غزّة المفتوح على القتل اليومي. وليست الرواية الفردية تفصيلاً صغيراً في التاريخ، هي مادته الأولى التي تشكّل الذاكرة الجمعية، وتستحضرها لتحصين الإنسان من السقوط في عدم إحصائي. حفظ القصّة صورة أخرى من صور مقاومة "مقابر الأرقام"؛ فإذا كان الرقم قادراً على طمس الأثر، فإنّ السرد يعيده، وإذا كان القبر المجرّد من الاسم هو انتصار للمحو، فإنّ الذاكرة المكتوبة تؤكّد أنّ الإنسان لا ينتهي عند لحظة دفنه، فتثبّته في التاريخ بوصفه حياة. يحتاج الفلسطيني إلى مقاومة الطمس، خصوصاً مع تحويل الموت نفسه (الفردي والجماعي) موضوعاً للنقاش القانوني في ظلّ تشريعات صهيونية تتيح إعدام الأسرى. فحين يُحتجز الجثمان بعد القتل ويُدفن بلا اسم، ثم يُطرح القتل أصلاً خياراً مشروعاً مقونناً، فإنّنا أمام منطق واحد يُرسَّخ؛ منطق يبدأ بتجريد الفلسطيني من فردانيته لينتهي إلى التعامل مع حياته وموته باعتبارهما شأناً إدارياً أو أمنياً في منظومة عنصرية، ما يسلب الجسد البشري حرمته، فلا يعود الأسير إنساناً له حقوق، بل جسداً يمكن احتجازه حيّاً أو ميتاً داخل منظومة القتل نفسها.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية