عربي
تجلس بعض الأحداث في رأسي طويلاً. يمضي الخبر، يختفي تحت ركامٍ هائلٍ من الأخبار المتتابعة، لكنّ عينيّ تبقيان مثبَّتتين على جملةٍ بعينها، تطنّ في رأسي كذبابةٍ أصبحت حبيسة الدماغ ولا منفذ لها للخروج. أعيد التفكير في جملة نتنياهو عن مفهومي القوة والأخلاق، جملةٌ قيل إنّها غامضة، بدليل ما أثير حولها من لغطٍ دفع كثيرين إلى محاولة تفسيرها، إلى أن تدخّل مكتبُه بعد يوم لشرحها ولنسبها إلى قائلها المؤرّخ الأميركي ويل ديورانت.
وبالفعل، هي جملة بدت غير واضحة المقصد، لأنّها ربّما بديهية إلى درجة الإرباك، نظراً إلى وقاحتها وتعبيرها البليغ عن فكر قائلها. أجل، جملة نتنياهو أبعد ما تكون عن الغموض، ولو تخفّت وراء كلامٍ عن اقتباسٍ تاريخي، ذلك أنّ معناها البسيط هو أنّ القوة لا تُنقض بالأخلاق، حتى ولو كان ذلك يُريح منطق الشرّ ويسوّغه. أمّا المُربِك، فهو أن يُقال مباشرة ما يُفترض أن يُوارى، كما كان يحصل في السياسات القديمة، حين كانت الأخلاق هي الحُجّة، والقوة هي السرّ، في حين يرفع عصرنا شعار أنّ القوة هي الحقيقة، والأخلاق هي الواجهة. وحده نتنياهو عمد إلى كسر المقولتَين: لا نحتاج لأيّ تبرير، ولا لأيّ اختباء خلف مقولات من هذا النوع، إذ إنّ "المسيح ليس له أفضلية على جنكيز خان".
اختيار المسيح وجنكيز خان معاً، إلى جانب أنّه مقارنةٌ غريبةٌ عجيبةٌ، يحمل أكثر من دلالة. فالأول يرمز عالمياً إلى الرحمة والفداء ورفض العنف، بينما يجسّد الثاني القوة الغاشمة والدمار والسيطرة بلا رحمة. هكذا يوجّه نتنياهو رسالةً مزدوجةً مفادها بأنّ معارك إسرائيل ليست من الأخلاق في شيء، معتبراً رمز المسيح ورقةً للمساومة مع الشرّ. أيضاً، تشبه الجملة الاعتراف بسرّ معروف، لكنّه لا يُعلَن، إذ تقول بوضوح إنّ السياسة ليست مساراً للعدالة، وإنّ الأخلاق تُهزم في المعارك، لأنّ الانتصار لا يحتاج إلى تبرير. هذه "صراحة" نادرة تُحرج الأنظمة الديمقراطية التي غالباً ما تعمد إلى ارتداء ثوب الأخلاق، لكي تبرّر اعتداءاتها. أضف إلى ذلك أنّ الجملة إياها لم تُلفظ في إطار ملتقى فكري على سبيل المثال، وإنّما في سياق إبادة أعداد هائلة من الأبرياء، وهو ما يُشعر بالغثيان، مع تكريس الاعتراف علناً، ومن دون أيّ مواربة، بأنّ الشرّ هو الأقوى، لذا سوف تجلس هذه الجملة في التاريخ طويلاً، لأنّها تلخّص الحرب الثقافية الصامتة بين القوة والضمير، ولأنّها على وجه الخصوص تُلخّص حالة عصرنا: سياسة متوحّشة لا تُحتمل صراحة قبحها.
هذا ويبقى الأكثر خطورة في جملة نتنياهو، وهو ما لم يسبقه إليه حكّام إسرائيل المتعاقبون منذ نشوئها، اعترافه الصريح بعملية استنساخ قانون العنف التاريخي في تأسيس دولةٍ وُلدت بقوة السلاح وإلغاء الآخر، صاحب الأرض، هذه المرّة من دون "منكّهات"، أي من دون "ستارة أخلاقية" تبرّر ما هو غير قابل للتبرير. إنّ ذكر قوة جنكيز خان مستدعاة هنا نموذجاً قابلاً للتعلّم، للتعميم، في حين تُحتقر قيم المسيح وما دعا إليه، في ميدان القتال بالحديد والنار. فأن يُقال إنّ "لا أفضلية للمسيح على جنكيز خان"، هو في العمق تنكّر لكلّ ما علّمتنا (وتُعلّمنا) إياه التجربة الإنسانية: وهو أنّ مَن غزا العالم بالقلب غزاه إلى الأبد، ومَن غزاه بالسيف ذهب إلى منافي النسيان، وأنّ القوة الحقيقيّة لا تقوم في القتل والتشنيع ودكّ الأسوار، بل في القدرة على إبقاء الإنسان إنساناً، حتى في إطار حروبٍ همجية تُنزِل المسيحَ من عُلٍ، لكي تضعه على منصّة المُتشبّهين بجنكيز خان.

أخبار ذات صلة.
ضغوط لرفع العقوبات عن نفط روسيا
العربي الجديد
منذ 10 دقائق
إطلاق سراح مواطن ياباني كان محتجزاً في إيران
الشرق الأوسط
منذ 31 دقيقة