ورقة صغيرة جداً
عربي
منذ ساعة
مشاركة
دخلتُ المقهى، وهو واحد من تلك الأماكن التي لا أرتادها كثيراً، كأنّ بيني وبينه معرفة سطحية لا تتجاوز تبادل النظرات. كان المكان هادئاً على غير العادة، أو ربما كنتُ أنا من يبحث عن الهدوء في تلك اللحظة. اخترتُ طاولة قريبة من النافذة، ليس لأنني أحب الضوء، بل لأنني أحب أن أرى الخارج دون أن أُرى بوضوح. جلستُ، طلبتُ قهوة، وأخرجتُ سيجارة. أشعلتها ببطء، كأنني أشتري بعض الوقت قبل أن أضطر لمواجهة نفسي. لم أكن أفعل شيئاً يُذكر، فقط أدخن. أراقب الدخان وهو يتلاشى، وأتظاهر بأن لديّ ما يشغلني. في الحقيقة، لم يكن هناك شيء سوى ذلك الفراغ الخفيف الذي يرافقني منذ فترة. ثم شعرتُ به؛ ذلك الإحساس الذي لا يُخطئ، حتى لو حاولت تجاهله. شعور بأن أحدهم يراقبك. ليس مجرد نظر عابر، بل تركيز، تثبيت، كأنك موضوع تحت عدسة. كان الإحساس يأتي من جهة يساري. ادّعيتُ أنني لم أنتبه. سحبتُ نفساً آخر من السيجارة، وأبقيتُ عينيّ على الطاولة، لكن الإحساس لم يختفِ. كان ثابتاً، مزعجاً، كصوت خافت لا يتوقف. نظرتُ بطرف عينيّ، بسرعة محسوبة، خوفاً من أن تلتقي نظراتنا. كانت هناك سيدة تجلس؛ لم أستطع تمييز ملامحها، فقد كانت نظرتي خاطفة، كأنني سرقتُ لحظة لا تخصني. عدتُ إلى مكاني، إلى قهوتي التي بدأت تبرد، وإلى سيجارتي التي شارفت على الانتهاء. لكن الفضول بدأ يكبر: من تكون؟ ولماذا تنظر إليّ بهذه الطريقة؟ هل تعرفني؟ أم أنها مجرد مصادفة أُضخمها في رأسي؟ كنتُ على وشك أن ألتفت بوضوح، أن أواجه النظرة بنظرة، لكنني توقفت. أن تكون معروفاً قليلاً لدى بعض الناس هو أشبه بسلاسل وُضعت على سجيتك؛ فتفكر في أدق تفاصيلك في الأماكن العامة، خوفاً من أن تنهار صورة "الكاتب" لديهم. الناس تصنع للكاتب قيوداً مضنية؛ فلا يحق له أن يغضب، أو يضحك ملء فمه، أو أن يأكل بشراهة حتى لو كان جائعاً. لا بد أن تكون غيمة بيضاء، فأي سوادٍ طفيف يعني أنهم سيمطرونك بأقسى الصفات، وأشد الشتائم، وتخوين لا ينقطع. الناس تصنع للكاتب قيوداً مضنية؛ فلا يحق له أن يغضب، أو يضحك ملء فمه، أو أن يأكل بشراهة حتى لو كان جائعاً. لا بدّ أن تكون غيمة بيضاء سحقتُ السيجارة في المنفضة، وأشعلتُ أخرى، كأنني أؤجل المواجهة. حاولتُ أن أشغل نفسي بهاتفي، لكن عينيّ لم تكونا تقرآن شيئاً. كنتُ فقط أهرب. بعد دقائق، شعرتُ بالحركة. رفعتُ رأسي قليلاً، دون أن أنظر مباشرة. الكرسي على يساري تحرّك. خطوات هادئة، ثم صمت. خرجتْ. لم ألتفت، ولم أجرؤ على تتبعها بنظري. شعرتُ وكأن هناك عيوناً أخرى قد تلتقطني، تفسر نظرتي، وتحللها. ربما أبالغ، لكن هذا ما يفعله الخوف أحياناً؛ يكبر فيك حتى يصبح منطقاً. بعد قليل، اقترب النادل وقال: – أستاذ. رفعتُ رأسي عن الهاتف، وكأنني كنت منشغلاً فعلاً: – نعم؟ تردد قليلاً، ثم قال: – السيدة التي خرجت قبل قليل… سألت عنك. شعرتُ بشيء ينقبض في صدري: – عن ماذا سألت؟ – قالت: "هو ذاته؟" قلت لها: "نعم، هو ذاته." فسكتت قليلاً، ثم قالت: "تغيّر… اكتسب وزناً، وملامحه أكثر حزناً من قبل". توقف النادل لحظة، كأنه يحاول أن يكون لطيفاً، ثم أكمل: – قلت لها إنني لم أره من قبل لأحكم. لم أعرف ماذا أقول. ابتسمتُ ابتسامة صغيرة مصطنعة، وأومأت برأسي. شعرتُ وكأنّ أحدهم وضع مرآة أمامي فجأة، لكنني لم أكن مستعداً للنظر. أكمل النادل: – تركت لك هذه. مدّ يده بورقة صغيرة. أخذتها، شكرته، وابتعد. فتحتها. رقم هاتف، بلا اسم. حدّقتُ فيه قليلاً، كأنه يحمل إجابة لسؤال لم أجرؤ على طرحه. هل أعرفها؟ هل كانت تعرفني فعلاً؟ أم أنها فقط رأت فيّ شيئاً يشبه ذكرى قديمة؟ وضعتُ الورقة على الطاولة. عدتُ إلى هاتفي، هذه المرة لأهرب حقاً. قرأتُ أشياء لا تعنيني، مررتُ على صور لا أتذكرها، فقط لأشغل نفسي عن التفكير. مرّ الوقت، أو ربما لم يمر، لا أدري. نهضتُ من مكاني. تركتُ القهوة كما هي، نصف ممتلئة وباردة. وضعتُ النقود، وتوجهتُ نحو الباب. قبل أن أخرج، تذكرتُ الورقة. توقفتُ... التفتُّ... كانت هناك على الطاولة، صغيرة، خفيفة، كأنها لا تعني شيئاً. لكنها كانت تعني احتمالاً، قصة ربما لم تبدأ بعد. فكرتُ أن أعود، أن آخذها، أن أعرف... لكنني تكاسلتُ. أدرتُ وجهي، وخرجتُ.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية