حضرموت.. عمال النظافة بين قسوة العمل وغياب التقدير
تقارير وتحليلات
منذ ساعتين
مشاركة

منذ ساعات الفجر الأولى، وقبل أن تستيقظ القرى الريفية في حضرموت على حركة يومها المعتادة، يبدأ محسن الرعود عمله، ويدفع عربته المعدنية القديمة على طريق ترابي ضيق، ممسكًا بمكنسة تآكلت أطرافها من كثرة الاستخدام، ويبدأ في جمع المخلفات المتناثرة على جانبي الطريق، في مشهد يتكرر يوميا منذ أكثر من عشرين عامًا.

 يقول الرعود، وهو عامل نظافة في إحدى المناطق الريفية شرقي المحافظة، لـ”ريف اليمن”، إن عمله يبدأ قبل شروق الشمس وينتهي مع اشتداد الحر، ويضيف:”نخرج قبل الناس ونرجع بعدهم، من أجل تظل القرى نظيفة”.

رغم الإرهاق وبساطة الأدوات وغياب أبسط وسائل الحماية يواصل الرعود عمله مؤمنا بأن ما يقوم به واجب قبل أن يكون وظيفة، ويؤكد أن العمل شاق جدا، لكنه يحب مهنته ويقدرها، معبرا عن استيائه وحزنه بسبب تعرضه للكثير من المضايقات من بعض أفراد المجتمع، لافتا أن الكثير يحتقرون هذه المهنة ولا يقدّرونها.


مواضيع مقترحة


 يواجه عمال النظافة في حضرموت، وخاصة في المكلا ومديريات الساحل، تحديات كبيرة تشمل تدني الأجور، ونقص المعدات، ومخاطر العمل الصحي، وتأخر المستحقات، تزداد المعاناة بسبب نقص الوعي المجتمعي بأهمية النظافة، مما يضاعف الجهد البدني عليهم.

 عمل يومي بدون تقدير

 لا يختلف حال الرعود كثيرا عن عشرات من عمال النظافة المنتشرين في أرياف حضرموت، حيث تعتمد القرى على جهودهم الفردية للحفاظ على نظافتها، في ظل شح الإمكانيات وضعف الدعم المؤسسي، ويؤدي هؤلاء العمال مهام شاقة تشمل تنظيف الطرق العامة والأزقة ومواقع تجمّع النفايات، دون قفازات أو كمامات تقيهم مخاطر العمل الصحي والبيئي.

 ويشكو عمال نظافة من ضعف الرواتب التي لا تتناسب مع حجم الجهد المبذول إضافة إلى تأخر صرف المستحقات أحيانا وغياب أي تأمين صحي أو رعاية مهنية في وقت يتعرضون فيه لمخاطر يومية من أمراض تنفسية إلى إصابات جسدية.

يحكي الرعود أنه تعرض لعدد من الإصابات أثناء العمل، في دلالة على غياب الرعاية والاهتمام بهذه الفئة، إلى جانب ضعف الوعي المجتمعي بخطورة رمي النفايات الحادة أو الخطرة في براميل القمامة.

يعمل في قطاع النظافة في اليمن نحو 50 ألف عامل وموظف أغلبهم، ما بالأجر اليومي

ويقول: “في يوم من الأيام تعرضت لإصابة خطيرة جدا أثناء كنس القمامة، حيث أُصبت بقطع في رجلي، ونُقلت إلى المستشفى لإجراء عملية جراحية، تجاوزت تكلفتها راتبي الشهري بالكامل، وجلست في البيت لمدة شهر ونصف بدون عمل”.

 في المناطق الريفية، تتضاعف معاناة عمال النظافة بسبب الطبيعة الجغرافية القاسية، وغياب البنية التحتية المناسبة للتعامل مع النفايات؛ فالطرق غير المعبدة، وبُعد مواقع التجميع، وارتفاع درجات الحرارة، كلها عوامل تجعل العمل أكثر مشقة.

 يختصر الرعود واقع شريحة واسعة تعمل بصمت، دون أن تحظى بتقدير يوازي دورها الحيوي في حماية الصحة العامة والحفاظ على البيئة، ويقول: “نشتغل في الحر وفي البرد، وما عندنا لا ملابس واقية ولا أدوات حديثة… بس الله يعين”. 

وبحسب بيانات إدارة صندوق النظافة والتحسين في مديريات الوادي بمحافظة حضرموت لعام 2024، بلغ إجمالي عدد عمال النظافة في مديريات وادي حضرموت نحو 871 عاملا، يتوزعون أيضًا على عدد من المديريات الريفية، ويؤدون مهامهم اليومية في ظروف تشغيلية صعبة، وبإمكانات محدودة، لتغطية مساحات جغرافية واسعة وقرى متناثرة. 

النظافة مسؤولية الجميع

إلى جانب معاناة العمال، يؤكد الناشط المجتمعي أحمد باوزير أن هناك ضعفا في الوعي المجتمعي في بعض القرى، حيث لا تزال ظاهرة رمي القمامة عشوائيًا منتشرة، ما يزيد العبء على عمال النظافة ويقوض جهودهم اليومية.


بلغ إجمالي عدد عمال النظافة في مديريات وادي حضرموت نحو 871 عاملا، يتوزعون أيضا على عدد من المديريات الريفية، ويؤدون مهامهم في ظروف تشغيلية صعبة


  ويقول باوزير: “إن النظافة ليست مسؤولية العامل وحده، بل مسؤولية المجتمع ككل”، داعيا إلى ترسيخ ثقافة احترام العامل، والتعامل المسؤول مع البيئة، والالتزام برمي النفايات في الأماكن المخصصة لها.

 في ظل هذا الواقع، تؤكد اللجنة النقابية لعمال مشروع النظافة والتحسين بحضرموت أن الأصوات تتصاعد مطالبة الجهات المعنية بتحسين أوضاع عمال النظافة، من خلال رفع الأجور، وتوفير أدوات السلامة المهنية، وتأمين صحي يضمن لهم حياة كريمة.

 وشددت النقابة على أهمية إدماج عمال النظافة ضمن خطط التنمية المحلية، بوصفهم عنصرًا أساسيًا في الحفاظ على البيئة والصحة العامة، ويحملون على عاتقهم عبئًا ثقيلًا في ظل ظروف قاسية وتهميش مستمر.

 ويعمل في قطاع النظافة في اليمن نحو 50 ألف عامل وموظف أغلبهم، ما زالوا يعملون بالأجر اليومي من دون تثبيت، ويتكون أغلب هؤلاء العمال من اليمنيين ذوي البشرة السمراء، ويعرفون رسمياً وفي بيانات المنظمات الحقوقية والإنسانية المحلية والدولية بـ”المهمشين”.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية