عربي
يروي قلائل ممّن عادوا من ألمانيا، تحديداً، تفاصيل يومياتهم المليئة بالندم والأسف. وعد، سيدة سورية متزوجة وأم لأربعة أبناء، لم تترك باباً للسفر واللجوء إلّا وطرقته، دون أن تلقى أي جواب، حتّى بالرفض. تتزايد أحلامها المعلقة على فرصة واحدة للسفر يوماً بعد يوم، رغم أنها باتت فعلياً أحلاماً خائبة، ذهبت أدراج الرياح التي عصفت بكل السوريين الراغبين في اللجوء إلى بلاد الله الواسعة.
بالأمس، اجتمعت وعد مع سيدة سورية عائدة من إحدى المدن الألمانية. دار بينهما حديث يصلح لأن يكون مشهداً تمثيلياً ساخراً؛ إذ راحت كل واحدة تلوم الأخرى. وعد تلوم السيدة العائدة لأنها فكرت بالعودة، معتبرةً أنها حولت مستقبل أولادها إلى سراب وحياة لا تشبه الحياة. في المقابل، وجهت السيدة العائدة اللوم لوعد قائلة: "يطعمك الحج والناس راجعة"، في إشارة إلى أنها تأخرت كثيراً، وأن أبواب اللجوء باتت محكمة الإغلاق، ووعرة، ومكلفة للغاية، إن سُنحت أي فرصة لتحقيقها.
تتضارب الأرقام عند الحديث عن إعادة اللاجئين السوريين إلى بلادهم. الإحصاءات متوفرة بكثرة وسهولة، لكن كل طرف يقدم ما يدعم وجهة نظره حول إمكانية تحقق هذه العودة من عدمها. إلّا أن أحداً لا يتطرق إلى السؤال الأهم: ماذا عن السوريين أنفسهم؟ هل يرغبون فعلاً في العودة؟ أم أن الجهات الرسمية، سواء السورية أو الأوروبية، تتعامل مع وجودهم وقراراتهم المصيرية بوصفها جزءاً من بازار سياسي، كلٌّ وفق مصالحه، فيُختزل اللاجئون في أرقام ومؤشرات اقتصادية، بينما يُهمَّش صوت الإنسان ذاته؟
لم يوضح أحد ما إذا كانت أي دولة قد أعادت اللاجئين لديها قسراً وعلى نحوٍ جماعي، كما لم يُطرح سؤال جوهري: هل انتهت الأسباب التي دفعتهم إلى اللجوء أصلاً؟ وماذا عن مسؤولية الدول المستقبِلة تجاه مَن احتموا بها؟ الأشد مرارة هو ذلك الشعور الدائم الذي يلاحق السوريين: هل سأكون أنا التالي على قوائم الترحيل؟
ماذا عن السوريين أنفسهم؟ هل يرغبون فعلاً في العودة؟ أم أن الجهات الرسمية، سواء السورية أو الأوروبية، تتعامل مع وجودهم وقراراتهم المصيرية بوصفها جزءاً من بازار سياسي
أما سياسات الفرز والتصنيف، وفق الكفاءة الاقتصادية أو المهنة أو فرص الحصول على الجنسية، فهي تمثل دورة جديدة من العسف، غير المقبول إنسانياً وقانونياً، باستثناء الحالات الجنائية. وحتى في هذه الحالات، يفرض القانون الدولي ضمان عدم تعرض المرحّلين للأذى أو التمييز عند عودتهم، لأسباب إنسانية وقانونية واضحة.
في جعبة اللاجئين السوريين آلاف الحكايات القاسية: طرق اللجوء الطويلة، صعوبات تعلم اللغة، مراكز الإيواء الأولى، نظرات الضياع في عيون الهاربين، والارتباك أمام البيروقراطية. بين شعارات الصمود مثل "سننجو" و"سنعبر" و"بعد خمس سنوات سنصبح ألماناً"، وبين اتهامات متبادلة بالتقصير أو الانتهازية أو الضعف، وجد السوريون أنفسهم فجأة داخل دائرة ضيقة، تتجاذبهم فيها قوى متعددة، تستثمر حتى في مخاوفهم وضبابية مستقبلهم.
والسؤال الذي يفرض نفسه في مجاز هذه المستجدات القلقة: هل سورية قادرة على منح الكرامة والعيش الإنساني لمواطنيها العائدين؟ أم أنهم طاقة الفرج التي يبالغ البعض في تصويرها، باعتبارهم مَن سيقومون بمنحها القوة، ومَن سيبنيها ويعيدها إلى سكة النجاة والإعمار والتطور؟
في بلاد الحروب المتجدّدة على أهلها وناسها، وفي بلاد الفرق المتوحشة الموغلة في إقصائها لشركائها، والغارقة في واقع النقص والفقد لكل مستلزمات الحياة الأساسية، يلاحق الخوف حتى من اعتقدوا أنهم قد نجوا، بل كانوا قد اقتنعوا بأنهم، بلجوئهم، يسعون لإنقاذ بعض ممن تبقى عاجزاً عن الحلم باللجوء. حين يُحشر اللاجئون في بازارات السياسة، لا البلاد عنوانٌ للعودة، ولا الملاجئ عناوينُ للاستقرار.
"كنا مشروع لاجئ، صرنا مشروع عائد"؛ عبارة يتداولها البعض بسخرية مرّة، تختزل حالة من اليأس والتيه المتجدد
"كنا مشروع لاجئ، صرنا مشروع عائد"؛ عبارة يتداولها البعض بسخرية مرّة، تختزل حالة من اليأس والتيه المتجدّد.
يبقى السؤال الأهم: هل تستطيع سورية اليوم أن توفر الكرامة والعيش الإنساني لمواطنيها العائدين؟ أم أن هؤلاء يُصوَّرون كطاقة خلاص، يُبالغ في تقدير دورها في إعادة بناء البلاد وإنعاشها؟
في بلاد أنهكتها الحروب، وتغرق في الانقسامات، وتعاني نقصاً حاداً في أبسط مقومات الحياة، يظل الخوف يلاحق حتى من ظنوا أنهم نجوا. بل إنّ كثيرين كانوا يرون في اللجوء محاولة لإنقاذ ما تبقى من حياتهم وحياة من عجزوا عن المغادرة.
حين يُحشر اللاجئون في بازارات السياسة، لا تصبح الأوطان ملاذاً آمناً للعودة، ولا المنافي مكاناً مستقراً للحياة.
أخبار ذات صلة.
المنزل الذكي في عصر الذكاء الاصطناعي
الشرق الأوسط
منذ 8 دقائق