رغم مرور أكثر من 11 عاما على اختطاف وتغييب القيادي في التجمع اليمني للإصلاح محمد قحطان، إلا أن حضوره في الذاكرة الوطنية ما يزال أقوى من الغياب؛ فهو حضور يتجاوز الرمزية، بالنظر إلى التأثير الذي تركه والدور التأسيسي الذي أداه في ترسيخ ثقافة الحوار وقبول الآخر والعمل على تغليب المصلحة الوطنية، ما يجعله من السياسيين الذين يُنظر إليهم بإعجاب حتى من قبل أولئك الذين يختلفون معه سياسيا.
وحين أقدمت مليشيات الحوثي على اختطاف قحطان، الذي يشغل منصب عضو الهيئة العليا في التجمع اليمني للإصلاح، في الخامس من أبريل/نيسان 2015 في العاصمة صنعاء، كانت تدرك جيدا حجم تأثيره السياسي، ليس فقط داخل الحزب، بل أيضا على المستوى الوطني العام، نظرا لما كان يتمتع به من قدرة على التواصل البنّاء وعلاقات واسعة، وإيمان راسخ بسلاح الحلول السياسية وإصرار على الحوار، حتى في اللحظات التي لا يكون فيها المناخ مناسبا أو لا تتوفر فيها الشروط اللازمة لإنضاج مقاربة مناسبة.
وعلى امتداد تاريخه السياسي والوطني، لم يكن قحطان من نوعية السياسيين الذين تستهويهم الأضواء أو تغريهم التصريحات الرنانة، رغم قدرته الواضحة على ذلك، بل كان يتمثل دور القائد الذي يتسامى على الجراح، ويتحمل المسؤولية، ويسعى إلى إطفاء الحرائق قبل أن تتسع.
فلسفة قحطان السياسية
على المستوى السياسي، كان من الذين ساهموا في تقريب وجهات النظر وإزالة حواجز الماضي بين رجالات العمل السياسي من مختلف التوجهات الفكرية، وذلك من خلال المساهمة في تأسيس تكتل اللقاء المشترك، الذي شكّل تجربة فريدة من نوعها جمعت قوى متباينة في المعارضة.
ورغم كل ما يمكن أن يُؤخذ على هذه التجربة، إلا أنه يُحسب لها تقليل كلفة الصراعات السياسية، كما أنها وفرت للأحزاب المعارضة مساحة للعمل الوطني المشترك بدلا من استهلاك نفسها في صراعات جانبية صغيرة تحكمها الأحداث والمواقف المتقلبة.
وقد ساهم هذا التكتل في تجذير الممارسات الديمقراطية وتنمية الوعي السياسي وتشجيع المشاركة، وتحفيز المواطن اليمني على التغيير، ونبذ ثقافة العنف.
ومما لا يختلف عليه اثنان، أن هذا التكتل لم يكن ليقوم لولا وجود شخصيات قيادية مثل محمد قحطان وجار الله عمر وغيرهما، ممن عملوا بجد واجتهاد على تحويل الفكرة إلى نموذج سياسي حقيقي.
وخلال هذه التجربة، تمت عملية التداول على المواقع القيادية داخل المشترك، سواء في رئاسة التكتل أو في منصب المتحدث باسمه، بين مختلف مكوناته، ليس فقط لأن هذا هو مقتضى العمل الجماعي، بل لأن القائمين على هذا النموذج كانوا يدركون أن ذلك يمثل اختبارا أوليا حقيقيا لمدى التزامهم بالنهج الديمقراطي بعيدا عن منطق الأوزان والأحجام.
من المشترك إلى الدولة: بناء التوافق وترسيخ الممارسة الديمقراطية
ولم يكن نهجه السياسي مقتصرًا على التعامل مع السياسيين أو المسؤولين، بل كانت له أيضا علاقة مختلفة ومميزة مع الوسط الصحفي، حتى عُرف عنه أنه صديق الصحفيين، فقد كان لا يبخل بالمعلومة على الصحفي الذي كان يمثل له رأس مال مهنيا مهما، خصوصا حين يتعلق الأمر بـ سبق صحفي.
كما لم يكن يمانع في إجراء المقابلات الصحفية، ولهذا ترك عددا كبيرا من المقابلات المكتوبة والمتلفزة، التي اتسمت بـ الغزارة المعرفية، والشمول، والوضوح، وأحيانا بالصراحة الجارحة.
ومن أبرز القضايا التي استأثرت بتصريحات ومواقف محمد قحطان، كانت قيمة الحوار، انطلاقا من إيمانه العميق بأن هذا النهج هو الأسلم والأصوب للجميع، خصوصا عندما تصل الأطراف إلى طريق مسدود.
لأن البديل – كما كان يرى – هو العنف والاستقواء بالسلاح، وفي المحصلة فإن هذا المسار باهظ التكاليف، ولا يقتصر ثمنه على الأطراف المعنية فقط، بل يمتد إلى الوطن برمته.
وفي هذا السياق، فقد كان من آخر المتحاورين مع الحوثيين قبل انقلابهم الكامل، رغم أن ذلك الحوار الذي كانت ترعاه الأمم المتحدة في صنعاء لم يعد يتسم بأي قدر من التكافؤ أو التوازن أو الفرص الحقيقية.
ومع ذلك، ظل قحطان متمسكا بالحوار حتى اللحظة الأخيرة، لا من باب الضعف، وإنما انطلاقا من قناعته العميقة بأنه لا بد من استثمار أي فرصة حوارية لتجنيب البلاد الانزلاق إلى الحرب.
ضد العنف والانقلاب: موقف ثابت في لحظة الانهيار
وفيما يتعلق بالعنف، فقد كانت هذه القضية محورية في مواقف قحطان، إذ لطالما أكد بشكل واضح وشجاع أن هذا النهج مرفوض تماما، ولا يمكن القبول به تحت أي ذريعة من الذرائع، لأنه خطير على المستوى الاجتماعي والأمني، كما أنه يضرب تماسك الدولة نفسها.
وقد ساهمت أطروحات قحطان في تفكيك الأسس التي يستند إليها من يتبنون هذا النهج، سواء كانت قائمة على تفسيرات دينية مغلوطة، أو انحرافات فكرية، أو حتى ردود فعل على مظالم حقيقية.
فقد كان يعتبر أن اللجوء إلى العنف جريمة كبرى ويجب أن تُواجه بحزم، وبقوة القانون وفي إطار مقاربة شاملة تراعي الأبعاد الثقافية والأمنية والسياسية والاجتماعية.
وقد حرص قحطان على إدخال هذه المقاربة في الخطاب السياسي اليمني، حتى أصبح بالفعل من رواد ثقافة التعايش، وتقبل الاختلاف، والاحتكام إلى الحوار.
ولم تكن فكرة المواطنة المتساوية بعيدة عن هذا المسار، بل كانت جزءا أصيلا من وعي قحطان ونضاله السياسي، فقد كان يرى أن الدولة الحقيقية هي تلك التي يشعر المواطن في ظلها بالمساواة، والإنصاف، والقدرة على نيل حقوقه.
كما كان يؤمن أن هذه الفكرة لا يمكن أن تترسخ ما لم يتم احترام الدستور، وترسيخ مبدأ التداول السلمي للسلطة، وتفعيل المساءلة وضمان أداء المؤسسة التشريعية التي تعبر عن الإرادة الشعبية من خلال صندوق الانتخابات الحرة.
وبدون ذلك، فإن فكرة دولة المواطنة المتساوية ستبقى مجرد أمنية، أو قضية ضمن قضايا النضال السياسي والمدني، وليست واقعا ملموسا.
وبالتوازي مع ذلك، كان يؤمن أيضا بأن هذه الفكرة لا بد أن تُكرّس في الثقافة السياسية والوعي الاجتماعي، حتى تتحول إلى قناعة عامة يدافع عنها المجتمع نفسه.
وفي هذا السياق، كان قحطان أيضا ضد الانقلابات مهما كانت المبررات، وقد كان واضحا في هذا الموقف ضد انقلاب الحوثيين رغم ما كلفه من ثمن باهظ، وليس هناك ثمن أكبر من مصادرة الحرية والتغييب القسري.
فقد كان الوحيد تقريبا الذي رفع مبكرا مطلب رفع الإقامة الجبرية عن الرئيس عبدربه منصور هادي، وتمسك بـ شرعيته حتى اللحظة الأخيرة ولم يكن ذلك متعلقا بشخص هادي بقدر ما كان متعلقا باحترام إرادة الشعب الذي انتخبه عام 2012.
وفي أحد حواراته الشهيرة، وصف قحطان الحوثيين عقب سيطرتهم على الدولة والعاصمة صنعاء عام 2014 بـ "الانتفاشة التي ستزول"، وهو توصيف لافت سرعان ما تحول إلى واحد من مصطلحات الثقافة السياسية والإعلامية في اليمن.
وكان قحطان، بحكم قراءته العميقة لتاريخ الإمامة الزيدية في اليمن، يدرك جيدا أن الحوثيين – مثل أسلافهم – يقوم مشروعهم على القمع والقوة والعنف والإكراه من أجل فرض ما يسمونه "الحق الإلهي في الحكم".
وهذا النمط من الحكم – في نظر قحطان – لا يمكن أن يدوم، لأنه لا يقوم على الرضا الشعبي، بل على الإكراه.
ولذلك، فقد كان يتوقع أنه إذا لم يجنح الحوثيون إلى الحلول السياسية، فإنهم سيدفعون البلاد إلى حرب سيدفع ثمنها الجميع وهذا ما حدث بالفعل.
الخلاصة
ويمكن القول إن استحضار محمد قحطان اليوم لا ينبغي أن يكون وفاءً لشخصه فقط، بل أيضا وفاءً للفكرة التي مثّلها وللمعنى الوطني الذي حمله، ولليمن الذي كان يؤمن أنه لا يمكن أن يُبنى إلا بالحوار، ولا يُحفظ إلا بالدولة، ولا ينجو إلا من منطق الغلبة والقوة والانقلاب.