"الحروب الأخرى" في الإعلام العربي
عربي
منذ 6 ساعات
مشاركة
في موازاة الحرب الراهنة (الأميركية - الإسرائيلية) ضد إيران، هنالك حروب أخرى لا تقل صخباً ولا إثارة، تدور رحاها في أروقة الإعلام العربي وأغلب القنوات الفضائية، بل وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، وتتمثل في موقفنا نحن العرب "مع من؟"، مع إيران أم الولايات المتحدة؟ ناهيك طبعاً عن الانجراف الهائل في مستوى الاتهامات والاستقطاب والتخوين في منابر إعلامية عربية عديدة، وكأنّنا في بعض هذه الدول نسخة افتراضية مختلفة عن الحرب الواقعية، تكون أقرب إما إلى الحرب الأهلية أو الحرب العابرة للحدود بين أنصار إيران (ومؤيديها) ومعارضيها بدرجة رئيسية. عرضت فضائية لبنانية قبل يومين مناظرة بين سياسي لبناني محسوب على القوات اللبنانية وسياسية مرتبطة بالتيار الوطني الحرّ، وسابقاً بالحزب القومي الاجتماعي السوري (بحسب ما صنّف كل منهما الآخر). الطريف أنّ الأول قال إنه مع المشروع اللبناني إذا كان هنالك مشروعان؛ أميركي أو إيراني في لبنان، فاستغلت مناظرته هذا الكلام لتنهال عليه بأوصاف العمالة للمشروع الصهيو - أميركي، فيما اتهمها هو بالولاء لإيران وأذيالها في المنطقة. أصبح ما شوهد هذا نموذجاً واحداً من الاتجاه العام الذي يهيمن اليوم على نقاشات الإعلام العربي ومواقع التواصل، على الرسائل المباشرة المؤيدة لهذا الطرف أو ذاك، أو الرسائل الخفية والأكثر ذكاءً التي تخفي الموقف تحت غطاء التحليل السياسي، لكن النتيجة واحدة، ودعوني أقول إنّها مؤسفة: الضياع العام وفقدان البوصلة في كلا المساحتين؛ الإعلام الفضائي المرتبط بالأجندات السياسية العربية والتواصل الاجتماعي المرتبط بالرأي العام العربي، الذي يعيش هو الآخر حالة من التشتت والتفكك واضطراب المواقف وربما العواطف والمشاعر. نعم، يا سادة، الاختلاف طبيعي وصحي، في الأحوال الطبيعية، إذا لم يتحوّل إلى تطاحن واتهام واستقطاب وتخوين، على أن تكون المعركة أو الحرب التي يخوضها الجميع في الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي في الميدان المطلوب للحرب، وليس في ميدان مختلف ومغاير تماماً، وأن تكون الأسئلة والتساؤلات مفتاحاً لبناء نقاشات عملية وواقعية عربية، وليست مجرّد استنزاف للرأي العام وللشعوب العربية في مسارات خاطئة ومضللة. لماذا علينا، بالضرورة، أن نكون مع إيران وسياساتها ومواقفها أو مع الولايات المتحدة وإسرائيل من الجهة الأخرى؟ والمعركة تجري، في جزء كبير منها على الأرض العربية وفي الساحات العربية، ونحن (العرب) من أكثر المتضرّرين منها، ولا هذا الطرف أو ذاك يرانا لاعباً مهمّاً يجب أن يُحترم. كلاهما (إيران وأميركا)، مع اختلاف الأجندات والمواقف والمصالح، لا يسعى إلّا لتحقيق مصالحه وأهدافه؛ ترامب يريد نظاماً إقليمياً تابعاً يدمج إسرائيل قوةً إقليمية عظمى ومهيمنة، وتتحقق فيه مصالح الولايات المتحدة، وإيران تريد منطقة تدور في فلك مصالحها والتبعية لها، وقد جُرّبت في سورية والعراق ولبنان واليمن في العقد الأخير، ورأينا سياساتها ونتائجها. ذلك كلّه صحيح، وهذا أمر بديهي ومعروف لدى الطلاب المبتدئين في السياسة، وهو جوهر العلاقات الدولية والسياسات الخارجية للدول، لكنّنا، عربياً، ندور في حلقة مخجلة من الحوارات السطحية والبائسة، وحالة من الاستقطاب تجاه مشروعين خطيرين على أمن الدول العربية ومصالحها وثرواتها وسيادتها، من دون أن يكون النقاش الإعلامي (التقليدي والجديد) قادراً على توجيه الرأي العام العربي ومواقفه ونقاشاته نحو حالة نقدية حقيقية من الوضع العربي الراهن وما آل إليه من وضع كارثي. لا يفهم العالم إلّا لغة القوة والمصلحة، وإيران، في نهاية اليوم، تبحث عن أمنها القومي ومصالحها الاستراتيجية. ولمّا رأى الحرس الثوري أنّ الطريقة الوحيدة للصمود وإرباك أميركا ضرب الجوار الخليجي لم يتردّد، وترامب يرى الخليج بقرة حلوباً والعالم العربي صفقات اقتصادية، وتابعين، والحليف الوحيد الذي يثق به بنيامين نتنياهو، لما له من تأثير أيضاً في القاعدة الاجتماعية - الانتخابية لترامب، فدعونا نرى الواقع كما هو، وننقل نقاشاتنا إلى المساحات الصحيحة، وبدلاً من توجيه أموال هائلة لشركات العلاقات العامة والجيوش الإلكترونية على مواقع التواصل الاجتماعي في معارك تافهة وسخيفة، من المهم أن نعيد إنتاج النقاش وتغيير اتجاهاته نحو البوصلة الحقيقية المرتبطة بمستقبل المنطقة ومصالحها الاستراتيجية.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية