عربي
في إجابة على سؤال، يبدو أنّه مرتّب سلفاً، وُجّه إلى الناطقة باسم البيت الأبيض كارولين ليفات، عمّن سيدفع كلفة حرب أميركا ضد إيران، قالت إنّ الرئيس ترامب يدرس إشراك دول عربية (الخليجية بالطبع) في تمويل هذه الحرب، وأنّها لن تتحدث في تفاصيل هذا، تاركةً الأمر للرئيس، لكنّها تعلم أنّه يفكر فيه بالفعل.
لا مفاجأة في هذه الإجابة، ولن تكون بعيدةً الساعة التي سيعلن فيها ترامب، بفجاجته المعهودة، عن هذا الطلب، مقروناً بلهجة الابتزاز التي تطبع شخصيته، مع الحلفاء قبل الأعداء. ومع أنّ دول الخليج أبلت وتبلي بلاءً حسناً في الدفاع عن نفسها بوجه الاعتداءات الإيرانية، مستخدمة ما في عهدتها من ترسانة أسلحة دفعت أموالاً طائلة لشرائها من أميركا وغيرها، إلّا أن ترامب لن يكترث بهذا، سيطلّ على الصحافيين من الركن المعتاد في طائرته الخاصة التي تقلّه إلى منتجعه في ميامي، قائلاً: "نعم!. لقد دافعنا عنهم، وفّرنا لهم الحماية، وعليهم دفع حصتهم من كلفة الحرب التي نخوضها ضد إيران... إنّهم أثرياء، لديهم أموال هائلة لا حاجة لهم بها".
منذ ولج ترامب البيت الأبيض، لا في دورته الحالية فقط، وإنّما في السابقة أيضاً، برع في ترجمة "المصالح" إلى أرقام في دفاتر السياسة، معيداً تعريف "الحماية" لتصبح مجرّد سلعة، تُعرض وتُساوَم وتُفرض شروطها بلهجةٍ أقرب إلى التهديد منها إلى الشراكة، ورغم جهل ترامب بأي أمر له علاقة بالثقافة، فإنّ هذه الثقافة، والأدب منها خصوصاً، وحدها القادرة على تشخيص لا سلوكه فحسب بكلّ ما هو عليه من بذاءة وفجاجة، وإنما تكوين شخصيته المعقد، وحين نبحث عن استعارة قادرة على تفكيك هذا السلوك، سنجد أنفسنا قريبين من شخصية شايلوك، في مسرحية شكسبير "تاجر البندقية"، المرابي الذي صاغ علاقته بالآخر في عقد محكم: مالٌ مقابل ضمان، لكنّ الضمان هنا ليس عقاراً ولا ذهباً، بل "رطل من لحم"، في عقدٍ يكشف عن اختلال أخلاقي فادح؛ إذ يتحوّل الإنسان ذاته إلى موضوعٍ في صفقة.
لا يكفي شايلوك وحده لتفسير الصورة. فثمّة وجه آخر، أكثر اقتراباً من منطق العلاقات الدولية، نجده في شخصية فيتو كورليوني، في رواية وفيلم "العرّاب" الذي لا يفرض نفسه بالقوّة المباشرة بالضرورة، وإنما عبر شبكة من "العروض التي لا يمكن رفضها"، فلا يكفي المال فحسب، بل الولاء، أو على الأقل الصمت، أو الاصطفاف حين تدعو الحاجة، فيتحوّل الأمر إلى نظام تبعية ناعم، بل لعلنا نجد في شخصية ترامب جانباً أو جوانب من شخصية "الأخ الأكبر" في رواية جورج أورويل "1984"، الذي يمارس الابتزاز على نحوٍ ناعم حين يخلق لدى الآخر خوفاً دائماً يبرّر السيطرة.
ما طرحه ترامب أو سيطرحه على دولنا، لا يبتعد عن هذا المنطق: "حمايةٌ" مزعومة مقابل دفعٍ متزايد، وكأنّه يعيد تعريف الأمن، بما هو حق سيادي وجماعي، ليصبح مجرد خدمةٍ مدفوعة، تُحدَّد كلفتها وفق ميزان قوّة مختل سلفاً، فيما يتحوّل الحليف إلى مجرد زبون، فالسياسة، رغم أنها منظومة معقدة، لكن منطق ترامب اختزلها إلى مجرد سوق.
استعارة "شايلوك" شكسبير و"الأخ الأكبر" لجورج أورويل وسواهما من أمثلة، أكثر من استعارة أدبية، فهي توصيف للعقود التي تُبرم تحت وطأة الحاجة أو الخوف، فتظلّ رهينة توازن دقيق بين الخضوع والتمرّد، ويمكن لمدرسة "التبعية" أن تسعف في فهم ما يجري، كونها مدرسة فكرية مهمّة نشأت في أميركا اللاتينية، لكنها تجاوزتها، لتصبح أحد أهمّ مناهج التحليل في علم الاقتصاد السياسي في قارّات أخرى، ومن أبرز رموزها على المستوى العربي المفكر المصري الراحل سمير أمين.
ومن دون الاستغراق في التفاصيل، يمكن القول بإيجاز إنّ النهج الترامبي يكاد يعيد تشكيل فكرة النظام الدولي القائمة، شكليّاً على الأقل، على توازنات ومصالح متبادلة، لتصبح صفقات إذعان، فالعلاقة التي تُبنى على الابتزاز المالي، التي تحوّل الحماية إلى سلعة، والسياسة إلى جباية، مهما بدت مربحة في المدى القصير، تزرع في داخلها عناصر تآكلها: انعدام الثقة، والبحث عن بدائل، وإعادة التفكير في مفهوم السيادة ذاته.

أخبار ذات صلة.
4 شهداء في قصف إسرائيلي شرقي مدينة غزة
العربي الجديد
منذ 44 دقيقة