عربي
هل يموت الفيلسوف أكثر من مرّة؟ يبدو السؤال تمريناً بلاغيّاً زائداً على الحاجة، لكن الجدل الذي دار عن يورغن هابرماس بعد رحيله أخيراً أعاده إلى الواجهة، لا بوصفه استعارة، بل تشخيصاً شبه سريري لحياة الأفكار في زمن الارتباك الأخلاقي. وليس هابرماس الوحيد في هذا الصدد. نذكر وقوف جان بول سارتر مع المظلومين في قضايا عادلة كثيرة، من دون أن ينتبه إلى أنّ لحظاته السوفييتيّة والماويّة زيّنت له الوقوف مع الجلّاد أيضاً، ما دام ينتسب إلى "المعسكر الصحيح". نذكر ميشال فوكو، وهو يعبّر عن افتتانه بالحدث الإيرانيّ في أواخر السبعينيات، ظنّاً منه أنّها ثورة روحية "أفلتت" من القوالب الغربية، ثمّ إذا هو أمام نظام ثيوقراطيّ مناقض لأطروحاته. كذلك نذكر مفكّرين عرباً كثيرين نظّروا للحداثة والديمقراطيّة وتغنّوا بالحوار، لكنّهم لعبوا دور المهرّج التراجيدي مع نُظُمهم المختلفة، جاعلين من "الضحايا" هوامش في نكتة فلسفية أطول من اللازم.
ثمّة حالة يختصّ بها بعض الأشخاص حتى عند "وفاتهم الأولى" العاديّة: يُوارَى الجسد، ويُخلّدُ الاسم أو يُنسى، ويبقى الأثرُ أو يُمحى، حسب مزاج الذاكرة الجماعية تجاه أي إنسان. لكن المشكلة أنّ أشخاصاً استثنائيّين، ومنهم الفلاسفة، لا يغيبون بعد وفاتهم تلك. إنهم يواصلون الاحتضار بطريقة ما، بعد موتهم، لأن ما يتركونه ليس جثة هامدة، بل شبكة استعارات، ووعوداً كونية، وأحلاماً عقلانيةً ووجدانيّة تواصل اشتباكها مع العالم. بعد ذلك، يأتي انقلابُ الفيلسوفِ على كونيّة أفكاره. وتلك "وفاته الثانية". لا نتحدّث هنا عن مراجعة قد تكون طبيعيّة، بل عن نوع من الانزلاق الذي يجعل الفكرة تبدو كأنها خانت نفسها عبر صاحبها. في حالة هابرماس، بدا الأمر تناقضاً غير مقبول. جسّد الرجلُ لعقود طويلة يوتوبيا العقل الحواري، حيث تُبنى الحقيقة عبر نقاش حرّ ومتساوٍ في الفضاء العمومي. إلّا أنّ هذه اليوتوبيا التواصليّة لم تصمد أمام امتحان الدم الفلسطينيّ. فجأة بات الكونيُّ لهجة محليّة، وتحوّل الجدل حول هذا الفيلسوف إلى جدلٍ مُحرج حول الحداثة الأوروبية: هل يمكن للفلسفة التي وُلدت في أوروبا أن تكون حقّاً كونيّة؟ لكأنّ الفلسفة تطلب من "المنظّر"، في لحظة ما، الخضوعَ لامتحان "الميدان" فيسقط في الامتحان. لكأنّ العالَمَ يسأله: ما دورُ الفيلسوف إذا لم يتحمّل العيش وفق قيمه حين تصبح مكلفة؟ عند هذه النقطة تتجلّى وفاة الفيلسوف الثالثة، الأخطر، لأنّها تتجاوز الأشخاص كي تصبح كنايةً عن انقلاب الكون نفسه، لا على الأفكار، بل على القيم الكونية التي عبّر عنها فلاسفته. هنا لا يعود الأمر متعلقاً بالفيلسوف شخصاً، بل بالعالم الذي لم يعد مهتمّاً بما يقوله. لا تُدحض القيمة كما تدحض الفكرة، بل تُهمل. تُترك جانباً مثل جهاز قديم لا أحد يحتاجه، رغم أنه لا يزال يعمل.
يشير هذا كلّه إلى أنّ القرن الجديد يستعدّ لحربٍ عالميّةٍ جديدة. لذلك تتحوّل اللغة إلى أداة تعبئة، بدل أن تكون أداة تفاهم، وتبدو نظرية الفعل التواصلي قادمة من كوكب آخر، ليس لأنها خاطئة، بل لأنها تفترض حسن نية لم يعد متوفراً، أو على الأقل لم يعد مربحاً. هنا يموت الفيلسوف للمرّة الثالثة، حين تموت القيم التي عاش في سياقها، وحين تصبح أفكاره صحيحة أكثر من اللازم، إلى درجة أنها غير قابلة للتطبيق. ما العمل في هذه الحالة؟ هنا يتحوّل الأمر إلى نكتة سوداء: نعلن موت الفلاسفة ثم نطالبهم بفُلك نوح، ونعود إليهم سراً، كما يعود مدخن سابق إلى سيجارته في لحظة ضعف. ننتقد الفيلسوف ثم نستخدم مفاهيمه لنفهم لماذا فشل الحوار. نعلن نهاية الكونية ثم نغضب حين تُنتهك مبادئها. كأننا نعيش في حالة إنكار جماعي: نريد عالماً بلا أوهام، لكننا لا نحتمل العيش من دونها. هل يموت الفيلسوف إذن ثلاث مرّات؟ ربما. لكنه، في المقابل، يُبعث ثلاث مرّات أيضاً: حين نقرأه من جديد، وحين نسيء فهمه، وحين نكتشف، حتى متأخرين، أننا كنا في حاجةٍ إلى شيءٍ من سذاجته النظرية، لنحافظ على ما تبقى من إنسانيتنا. وفي النهاية، قد لا تكون المشكلة في الفيلسوف الذي يموت مراراً، بل في العالم الذي يصرّ على قتله بعد استعماله: مرّة بإهماله، ومرّة بإساءة تأويله، ومرّة بالوقوف في عزائه.

أخبار ذات صلة.
4 شهداء في قصف إسرائيلي شرقي مدينة غزة
العربي الجديد
منذ 43 دقيقة