عربي
هناك ثلاث صيغٍ نظرية لوجود ما أسميه اليسار الاشتراكي وحياته السياسية في المغرب: اليسار التاريخي، الذي تألف في مرحلة الصراع الوطني، واتخذ، منذ بداية الاستقلال (1956)، شكل معارضة سياسية بارزة، سرعان ما تَوَاجَهَت، مِن دائرتين حزبيتين متمايزتين (الاتحاد الوطني للقوات الشعبية الذي تكون بَعْدَ مَخاضٍ في 1959، الحزب الشيوعي المغربي، الذي مُنِعَ رسميا في 1960)، مع مؤسسة الملكية، ومجمل التحالفات التي انعقدت حول هيمنتها المطلقة، منذ نزعت إلى الانفراد بالسلطة بعد استقرار أوضاعها السياسية والاقتصادية، واكتسابها جانباً مهمّاً من جوانب "الشرعية الوطنية" المستعادة. كما تواجهت أيضاً مع التيار الوطني المحافظ الذي مثله حزب الاستقلال، رغم أنه كان ركناً هاماً وأساسياً في المعارضة العامة، نظراً إلى شعبيته العارمة ودوره البارز في سياق العمل الوطني منذ 1944.
اليسار الاشتراكي الإيديولوجي، الذي انبثق، على نحو ما، في بداية السبعينات من صلب اليسار التاريخي هذا، وحاول أن يكون على النقيض منه في مرحلة كان الصراع السياسي فيها قد استوى على أسسٍ منظمة، تَهَيْكَلت قواته، وبانت مصالحه، وتطورت أدواته السياسية والإيديولوجية في المعارضة. مع الإشارة إلى أن تشكل هذا اليسار استفاد بصورة أساسية من تعثر العمل بالديمقراطية "المُتَصَوَّرَة" بعد إنزال الدستور الأول (1962)، وإبطالها بصورة نهائية في ظروف تميزت بتعقد الأوضاع السياسية والاجتماعية التي انفجرت على هيئة هبّات اجتماعية مختلفة، أبرزها انتفاضة 23 مارس (1965) التي اقترنت بالمسألة التعليمية في البلاد، ولكنها أظهرت أيضاً ما كانت التطورات الاقتصادية قد انتهت إليه، وخصوصاً من خلال الاستحواذ على مصادر الخيرات الوطنية، وتفاحش الاستغلال، وتدهور القدرة الشرائية لعموم المواطنين، ضمن عملية شاملة لِتَسْيِيد هيمنة الرأسمال التبعي الذي احتكر أهمَّ الوظائف الاقتصادية في البلاد.
اليسار الاشتراكي المندمج، الذي تألَّف، بعد ركودٍ سياسيٍّ طويل تسببت فيه أزمته الشاملة، اعتماداً على تجارب سياسية وإيديولوجية تسعى مجتمعة إلى تكوين "محور سياسي شرعي" عريض، يتمكّن من التفاعل الإيجابي من خلال المؤسّسات مع الأوضاع القائمة، والجهر بالمطالب الجوهرية الممكنة المتمثلة بإقرار الديمقراطية (ضد الاستبداد) واحترام الحريات والحقوق (ضد القمع والتحكم المطلق) والتوزيع العادل للخيرات الوطنية (ضد الاستغلال الفاحش). وهو يسار متقلص، يمارس المعارضة السياسية في ظروف استثنائية على مستويين: التحوّلات العامة التي أسقطت مفاهيم تقليدية كثيرة تربّى عليها اليسار في العمل السياسي النضالي، والتقلبات الإيديولوجية المتفاوتة التي عصفت بعقائده وتوجهاته على غرار ما حصل على الصعيد الأوربي تحديداً، وهي من مصادر تأثره وتأثيره.
يمكن النظر إلى مختلف هذه الصيغ اليسارية الاشتراكية، من حيث المظهر العام، أنها طرائق للعمل الشرعي بمعنيين: أي أنها تمارس نضالها العام في إطار القوانين المعمول بها، والدولة نفسها تعترف لها بالوجود رغم الطبيعة المُعَارِضَة التي تَحْكُمُه. أما الشرعية الثانية، فأصولها تاريخيه ذات منزع تحرري على الصعيد الإيديولوجي والسياسي، وكذا في نضالها العام، رغم التمايزات الملحوظة، من أجل إنجاز المهام التي رتبتها على أنها من المطالب الشعبية الأساسية، أي قيام الديمقراطية البرلمانية، وبناء المؤسّسات الضامنة للحقوق والواجبات، والعدالة الاجتماعية والمجالية. وقد تولد عن شَرْعِيَّتَيْ هذا المظهر العام أن تلك الصيغ اليسارية تعدّدت، من حيث المشارب والتوجهات وأشكال العمل السياسي وبعض المنطلقات الإيديولوجية، إلى درجة أن التناحر السياسي أصبح من أظهر علامات وجودها في ساحة الصراع تبعاً للخلافات القائمة بين تياراتها، فضلاً عن ظروف التشتت، وكذا بسبب الطموح الحزبي النازع، من خلال الدفاع عن أحقية "أصولية دوغمائية" و"شرعية" متأصلة، إلى قيادة مختلف اليساريين انطلاقاً من زعامة وهمية مستحيلة.
خروج اليسار المندمج إلى مجال النضال الديمقراطي والممارسة الاحتجاجية الممكنة في المجال الشرعي، المَصُون ضمن التعددية السياسية في البلاد، لم تؤتِ أكلها بأي شكل
على أن الذي لا يثار عادة ضمن ما يثار حول الوجود اليساري في المغرب، على امتداد سبعة عقود مرّت على استقلال 1956، يمكن حصره في أمرين: أبدأ بالثاني لأصُوغَه في إشكالية تاريخية يمكن طرح سؤالها القديم على النحو الآتي: هل يمكن استنبات يسار اشتراكي تتعارض مواقفه الفكرية والسياسية مع التجربة الخاصة لتطوّر المجتمع المغربي المحكوم بالقبلية والتبعية والاستبداد وتأخر البنيات والذهنيات؟ وهل يمكن المطالبة بقيام النظام الديمقراطي في إطار الدولة الدينية الإسلامية، دستورياً وفعلياً، اعتماداً على بعض أسسه النظرية القائمة على السيادة الشعبية، الكرامة الإنسانية، المساواة في الحقوق والحريات العامة، فضلاً عن التصويت الحر، والتعددية، وفصل السلطات وحقيقة المؤسسات المنتخبة، والمشاركة الشعبية؟
أما الأمر الأول، ففي القول الصريح إن مختلف الصيغ اليسارية انتهت في الزمن إلى ما يمكن وصفه بالنهاية الحتمية المقرّرة سلفاً في التوجه الإيديولوجي والسياسي، الدوغمائي الجامد بفعل استنساخ مرجعياته، والقائم على أسُسٍ من المركزية الديمقراطية كآلية تنظيمية، وبالخصوص عندما وُضع قيد الاختبار النضالي، أي في علاقة بالمجتمع وبالصراع (الطبقي) وبالممارسة العملية. والمثال أن الكفاح المسلح الذي راهن على إسقاط الملكية، وقاد معارك ضارية ضحاياها بالمئات بفعل القمع والإرهاب في مختلف مواقع العمل والنضال، سرعان ما انقشعت أوهامه الإيديولوجية المبنية على التصور الوطني- القومي، وتحللت بصورة نهائية في أقل من عشرين سنة. والمثال على ذلك أيضاً أن مفهوم الثورة الشعبية التحريرية الذي أشاعه الشباب "الثوري"، منذ مطالع السبعينيات، في الحياة السياسية وبين الأوساط التعليمية، باعتبارها مواقع للطليعة الثورية القائدة للحزب العامل في سبيل الثورة الوطنية الديمقراطية إلخ، انتهت هي نفسها إلى أزمة حقيقية بفعل القمع الشرس الذي اجتث آثارها كلية تقريباً. علماً أن هذه التجربة السياسية السرية الفتية لم تعمَّر طويلاً، بل ولعل "أمَمِيَّتَها الثالثة" تهاوت قبل أن تتشكل معالم "النظرية الثورية" و"الحركة الثورية" على السواء، أي قبل بناء الحزب الثوري، وقبل التحالف العمّالي الفلاحي، وقبل إطلاق الثورة الشعبية، إلخ. والمثال الأخير على ذلك أيضاً، أن خروج اليسار المندمج إلى مجال النضال الديمقراطي والممارسة الاحتجاجية الممكنة في المجال الشرعي، المَصُون ضمن التعددية السياسية في البلاد، لم تؤتِ أكلها بأي شكل: فلا هو، بسبب الفرقة، تمكن من تشكيل قوة مجتمعية، ولا هو تمكن من الولوج إلى المؤسسات الرسمية (البرلمان)، أو تحقق له ذلك من دون أن يكون له أي أثر فعلي في واقع الشرعية المتاحة (الهامش الديمقراطي، كما قيل)، ولا هو تمكّن أيضاً من تجنيد الجماهير من حوله، إلا ما كان من فئات عابرة في ظروف متحولة على هدي من المفاهيم الجاهزة المتعلقة بالنضال وبمنظورات الآلة الحزبية - الإيديولوجية التي تبشر بالديمقراطية البرلمانية وتعارض الاستبداد. والحقيقة أن هناك ما يمكن وصفه بـ"التخلية" السياسية التي تُتَرْجِم الفشل العام وتعبر عنه، من باب الادّعاء والاستعلاء، بعبارات طهرانية قد تساعدها على بلوغ "التحلية"، ولكنها يمكن أن تحولها فقط إلى أسطورة من الأساطير التاريخية الفدائية التي تمفصلت في التاريخ المغربي الحديث.
وجود اليسار الاشتراكي ليس إلا قوة رمزية في الخريطة السياسية المتصارعة في المجال الشرعي الذي يؤطر العمل الحزبي في المغرب
وعموماً، ليس الغرض من هذا التوصيف، رغم الاختزال البادي عليه، إلا القول إجمالاً إن وجود اليسار الاشتراكي ليس إلا قوة رمزية في الخريطة السياسية المتصارعة في المجال الشرعي الذي يؤطر العمل الحزبي في المغرب. ومع أن لهذا اليسار ارتباطات معينة، ولو أنها ضعيفة إلى شكلية، بالحركية الاجتماعية في بعض القطاعات الإنتاجية لعلاقة أنْوِيَّتِه بالعمل النقابي أساسا وبالنضال الاحتجاجي، إلا أنه يوجد خارج الصراع الفعلي المرتبط بالمصالح المتعارضة في المجتمع، ما يجعله أيضاً خارج التأثير السياسي وغير السياسي الذي يمكن أن يبعث قوةَ دفعٍ ما في البرامج النضالية وفي شعاراتها التعبوية قصد المساهمة في تحقيق التغيير الذي ينشده وله عنه، في أدبيّاته السياسية، تصورات واضحة وهدفاً صريحاً مبتغى.
ويبدو لي، في علاقة بهذا، أن الدعوة الرائجة إلى قيام "جبهة" نضالية" لتوحيد "جميع الأصوات والمكوّنات السياسية والحقوقية والاجتماعية"، هكذا بإطلاق، "من أجل تحقيقِ"، في أجَلٍ لا يُعرَف مَدَاه، "مغرب العدالة والكرامة، بدستور ديمقراطي، ونظام حكم نابع من الاختيار الشعبي إلخ" قد تكون عملية مستحيلة ومطمحاً دونه ما لا تُحصى من العقبات. فبصرف النظر عن الدوافع والأهداف، وسواء أكانت الدعوة بباعث سياسي ظرفي أم بفعل طبيعة الصراع المحتدم في المجتمع بكونه حافزاً، فإن الوعي بطبيعة القوى التي يمكن أن تأتلف فيها، وبطبيعة نظام الاستبداد المعمّم بآليات مختلفة، ومنها التكنولوجية والرقمية، بالإضافة إلى فتور النضال الديمقراطي وانحباس المطالبة بالحقوق، قد تحتاج مناخاً آخر، على النقيض مما أسميها ثنائية "المطلق الشرعي والوطنية الشوفينية" التي تحاصر النضال اليساري وتُسَفِّهُ مفهوم التغيير، وتحبط، في مناخ من الانغلاق الإيديولوجي، مَسَاعي الإرادة الحقيقية الرامية إلى تجاوز الظروف الذاتية المأزومة بما فيها من ضعف وتشتت وتناحر.

أخبار ذات صلة.
4 شهداء في قصف إسرائيلي شرقي مدينة غزة
العربي الجديد
منذ 28 دقيقة