عربي
ليس من المبالغة القول إن الحشد الشعبي في العراق، والجماعات المنضوية فيه التي تطلق على نفسها تسمية "فصائل المقاومة"، يواجهان اليوم أخطر التحدّيات منذ تأسيس هذه المؤسسة العسكرية– الأيديولوجية إبّان الصراع مع تنظيم الدولة الإسلامية (داعش). ليست المشكلة فقط في أن معظم هذه الفصائل وجدت نفسها منخرطة في الحرب التي فجّرها العدوان الأميركي– الإسرائيلي على إيران، بوصفها جزءاً من معركة وجودية لـ"محور المقاومة" المتمركز حول الحرس الثوري الإيراني؛ بل أيضاً في أن القواعد القديمة التي حكمت العلاقة الملتبسة بين "الفصائل" و"الحشد" لم تعد كافيةً لحماية الفصائل، ولا للحفاظ على الحشد نفسه.
قامت هذه العلاقة، خلال السنوات الأخيرة، على معادلة هشّة، لكنها مستقرّة نسبياً: سمحت الحكومة العراقية للحشد الشعبي، بوصفها مؤسسة يُفترض رسمياً أنها تتبع للقائد العام للقوات المسلحة، بأن يوفر غطاءً للفصائل ونشاطها الذي كان يجري في الغالب خارج سيطرة القائد العام. وفي المقابل، التزمت الفصائل بعدم تصعيد المواجهة المسلّحة مع الولايات المتحدة، بما ضمن قدراً من "الانضباط" في مستوى العمليات. أما الولايات المتحدة، فقد قابلت هذا بإعادة انتشار قواتها خارج بعض القواعد التي كانت تتعرّض للاستهداف، في مؤشّر على انسحاب تدريجي طالبت به الفصائل.
غير أن الحرب الراهنة أطاحت هذه المعادلة. فقد بات على الفصائل الانخراط بشكل أوسع وأكثر وضوحاً ضمن استراتيجية الحرس الثوري الرامية إلى توسيع نطاق المواجهة ورفع كلفتها إقليمياً. وفي المقابل، لم يعد الأميركيون والإسرائيليون يميزون (إلا بشكل محدود) بين الفصائل والحشد الشعبي، ولا يبدون ثقة بقدرة الحكومة العراقية على إعادة ضبط سلوك هذه الفصائل.
نحن، إذن، أمام لحظة تقترب فيها المعادلة القديمة من الانهيار، بما يفتح المجال أمام سيناريوهات متعدّدة لمستقبل "الحشد"، وعلاقته بالفصائل، وعلاقة الطرفين بالحكومة، بل يتجاوز الأمر ذلك إلى التساؤل حول قدرة الحكومة نفسها على الاستمرار في ظل استقطاب حاد يقلّص "المنطقة الرمادية" التي كانت تتحرّك فيها بوصفها شريكاً لكل من طهران وواشنطن في آن. غير أن هذه اللحظة تكشف أيضاً عن الإشكالية البنيوية التي تطبع وجود الحشد الشعبي، فهو ليس مجرّد مؤسّسة عسكرية، بل كيان يمنح نفسه دوراً سياسياً وأيديولوجياً يتجاوز الدولة، على نحوٍ يقترب من نموذج الحرس الثوري في إيران. كما أن مركز القوة داخله، الخاضع لهيمنة الفصائل، مرتبط بعلاقات ولاء وتشابك مؤسّسي مع الجمهورية الإسلامية.
لم يعد الأميركيون والإسرائيليون يميزون (إلا بشكل محدود) بين الفصائل والحشد الشعبي، ولا يبدون ثقة بقدرة الحكومة العراقية على إعادة ضبط سلوك هذه الفصائل
ومن يتتبع تطور الحرس الثوري داخل النظام الإيراني، وتحوّله، كما يرى باحثون، من بينهم علي ألفونيه، إلى مركز القوة الفعلي، لا بد أن يلاحظ أوجه الشبه مع مسار الحشد الشعبي. فكما توسّع الحرس الثوري في تفسير تفويضه بحماية نظام ولاية الفقيه، بات "الحشد"، بحسب توصيف رئيس الوزراء الأسبق عادل عبد المهدي المقرّب من الفصائل، مؤسّسة مسؤولة عن حماية النظام السياسي، وبشكل أدقّ، عن ضمان هيمنة القوى الإسلامية الشيعية المتحالفة مع طهران. تجسّد هذا عملياً في عملية قمع احتجاجات تشرين (2019)، وانخراط بعض فصائل الحشد الشعبي في عمليات الملاحقة والاغتيال في أثناء وبعد الحراك. كذلك في المواجهة التي حصلت عام 2022 بين أتباع مقتدى الصدر وعناصر الحشد الشعبي الموجودين في المنطقة الخضراء، والتي أعلن الصدر إثرها اعتزاله السياسة.
من جهة أخرى، قاوم الحرس الثوري تاريخياً محاولات إخضاعه للسلطة التنفيذية وللأجهزة الرقابية الرسمية، سواء في عهد مهدي بازركان أو أبو الحسن بني صدر في المرحلة التأسيسية، أو خلال فترات حكم الإصلاحيين مثل محمد خاتمي وحسن روحاني. وبالمثل، أظهر الحشد الشعبي مقاومة واضحة لأي رقابة حكومية فعلية، إلى حد شكوى رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي من عدم معرفته بعدد مقاتليه، فضلاً عن تصفية مسؤول رقابي عُيّن لمتابعة الإنفاقات المالية لـ"الحشد"، ولاحقاً محاصرة رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي على خلفية محاولة اعتقال أحد عناصره. ولا يسمح الحشد الشعبي بمحاكمة منتسبيه في المحاكم الرسمية، بل أنشأ جهازه القضائي الخاص الذي خدم بوصفه قناة لحماية أعضاء الفصائل في حال القبض عليهم باتهامات انتهاك القانون.
وكما أن الحرس الثوري اعتنى بالإعداد العقائدي-الأيديولوجي لأعضائه، وتوسيع اختراقه الاجتماعي، خصوصاً بعد إدماجه في مؤسسة الباسيج، أعطى الحشد الشعبي، خلافاً لبقية المؤسّسات الأمنية، مساحةً واسعة للمعممين المتحزبين في "تثقيف" المقاتلين، وتبنى عقيدته الخاصة بشأن العدو والصديق المستقلة عن منظور المؤسسة الأمنية الرسمية، وتوسّع بنشاطات الاختراق المجتمعي، عبر محاولة القيام بنشاطات خدمية وتعبوية وتنظيم فعاليات جماهيرية، وتوسيع الشبكات الزبونية المرتبطة بفصائله المتعددة.
شرع الحشد الشعبي في بناء أذرع اقتصادية خاصة به، منها "شركة المهندس"، إلى جانب توسيع نفوذه غير المباشر داخل مؤسسات الدولة الاقتصادية
كما نجح الحرس الثوري في بناء إمبراطورية اقتصادية واسعة عبر شركاتٍ، مثل "خاتم الأنبياء"، وسيطر على قطاعات استراتيجية كالاتصالات. وعلى المنوال نفسه، شرع الحشد الشعبي في بناء أذرع اقتصادية خاصة به، منها "شركة المهندس"، إلى جانب توسيع نفوذه غير المباشر داخل مؤسسات الدولة الاقتصادية. بينما خضعت وزارة الاتصالات لسيطرة حشدية غير مباشرة عبر تعيين وزيرة للاتصالات تنتمي إلى كتلة رئيس هيئة الحشد الشعبي .
لقد بات واضحاً أن هناك توجّهاً ممنهجاً لتحويل الحشد الشعبي إلى نموذج قريب من الحرس الثوري، لكنه نموذج مموّل من الدولة العراقية، ومرتبط في الوقت نفسه أيديولوجياً بمركز خارجي، هو الجمهورية الإسلامية. بشكلٍ ما، صار على الدولة العراقية أن تموّل وصاية الحرس الثوري الإيراني عليها، وهي معادلة معقّدة، لا يمكن فهمها بلغة تبسيطية تختزلها في "الهيمنة الإيرانية" أو في تبعية الفصائل لإيران، بل من خلال فهم "النظام الإسلامي" و"محور المقاومة" بوصفه مشروعاً فوق وطني، متمحور حول النظام الإسلامي في إيران قوّة ترسم تصوراته الأخلاقية للعالم وتموضعاته الجيوسياسية.
لكن الأيديولوجيا وحدها لا تفسّر كل شيء هنا، فمن المهم فهم كيف تتمأسس تلك الأيديولوجيا وتتحوّل إلى أجهزة وممارسات وطقوس تعيد إنتاج نفسها ومنطقها باستمرار. هذا ما لم يفهمه الأميركيون والإسرائيليون عندما تصوّرا أن النظام يمكن أن يتهاوى بعد الضربة المبكرة التي قتلت المرشد الأعلى، من دون إدراك أن البناء السلطوي للنظام الإيراني مختلف عن الأنظمة السلطوية الفردية التي شاعت في معظم بلدان العالم الثالث بعد مرحلة الاستقلال، فالنظام هنا لا يتميّز فقط بالبناء الأيديولوجي والعقائدي الصلب (والشمولي في نظر بعضهم)، بل أيضاً في أنّ هذا البناء قد جرت مأسستُه وروتنته على نحوٍ صارت له استقلاليته عن شخصية شاغل المنصب، بالمقارنة مثلاً مع نظامي صدّام حسين وبشّار الأسد، حيث تم تجويف المؤسّسات، بما فيها مؤسّسة الحزب الحاكم، لصالح شبكات الولاء المرنة والانتهازية المتمحورة حول شخص الزعيم.
بشكلٍ ما، صار على الدولة العراقية أن تموّل وصاية الحرس الثوري الإيراني عليها، وهي معادلة معقّدة
لقد صعدت أيديولوجيا الثورة الإسلامية وقت أفول أيديولوجيا الثورة الشيوعية، وإن كانت قد استعارت بعض مقولات الأخيرة وممارساتها، وأخذت تجذب الشباب الشيعي إليها في لبنان والعراق وغيرهما، لكن ما أكسبها الاستمرارية والتفوّق هو النجاح الإيراني بمأسستها عبر تنظيماتٍ، مثل حزب الله والحشد الشعبي، وفي حالة الأخير، كان تحويله إلى مؤسّسة رسمية داخل الدولة العراقية ذروة النجاح، أولاً لأنه منح "محور المقاومة" مصدر تمويل إضافي كبير من ميزانية الدولة العراقية، وثانياً لأن إنشاء جهاز عنفي أيديولوجي ومسيّس خدم في عملية السيطرة على الدولة العراقية وتوجيهها. وبينما كان حجم مؤسّسة الحشد الشعبي يتنامى من حوالي 70 ألفاً في سنة التأسيس إلى 240 ألفاً عام 2024، وموازنته تتضخم لتتجاوز 2.4 مليار دولار بحسب تقديرات محافظة، كان يجري تفكيك (أو إضعاف) المؤسّسات الأمنية الأخرى التي لا تشارك "الحشد" ولاءه السياسي أو العقائدي، مثل جهاز مكافحة الإرهاب والمخابرات، فضلاً عن الاختراق الواسع لمؤسسة الجيش المترهلة والمنخورة بالفساد. يفسر ذلك كيف أن الحكومات العراقية المتعاقبة لا تمتلك الإرادة لمواجهة الفصائل، ليس فقط لأن الفصائل، خلافاً للمؤسّسات الأمنية الأخرى، تمتلك أذرعاً سياسية فعّالة وتؤثر على المصير السياسي لرؤساء الحكومات، بل أيضاً لأن التجويف والاختراق اللذين طاولا المؤسّسات الأمنية الأخرى يجعلها أدوات غير مضمونة في مثل هذه المواجهة، إن حصلت.
الدرس المهم هنا أن الأيديولوجيا وحدها غير كافية أداةً تفسيريةً، بل إن فهم الكيفية التي تمأسست فيها تلك الأيديولوجيا وأصبحت أذرعاً وأجهزة مؤثرة تعيد إنتاج نفسها، حتى بعد خسارة قياداتها، هو المدخل الأنسب لفهم الشيعية فوق الوطنية المحاربة، التي تخوض معركتها الكبرى اليوم، ليس فقط في طهران وأصفهان وهرمز، بل أيضاً في بغداد والأنبار وجرف الصخر.

أخبار ذات صلة.
4 شهداء في قصف إسرائيلي شرقي مدينة غزة
العربي الجديد
منذ 27 دقيقة