عندما يختلف السوريون
عربي
منذ 6 ساعات
مشاركة
"السلطة هي من تقرّر القانون لا الحقيقة"... من مفارقات التاريخ أن هذه العبارة قالها الفيلسوف الإنكليزي توماس هوبز في القرن السابع عشر، وكرّرها المفكر الألماني كارل شميت خلال حكم جمهورية فايمار السابقة للعهد النازي، ويكرّرها اليوم سوريون كثيرون. كان هوبز مسكوناً بهاجس إنشاء سلطة قوية تقيم الدولة السيدة لمواجهة الاحتراب الداخلي في بلده، وعندما أعاد شميت هذه العبارة كان مسكوناً بهاجس النظام الديمقراطي المضطرب والعاجز عن اتخاذ قرارات مصيرية في مرحلة مفصلية من تاريخ ألمانيا، فكان يبحث عن سلطة دكتاتورية قادرة على أخذ القرارات اللازمة لحماية البلاد... ليس هذا ولا ذاك، كان في خاطر سوريين حين ردّدوا عبارة هوبز (من دون أن يعرفوها) على طريقتهم: "الذي حرّر البلاد هو الذي يقرّر". مناسبة هذه العبارة الاحتجاجات ضد قرار محافظ دمشق رقم (رقم 311 م. ت) الشهر الماضي (مارس/ آذار)، وهو القرار الذي حظر تقديم المشروبات الكحولية في المطاعم والملاهي الليلية، وحصر بيعها بزجاجات مغلقة في محال مجازة ضمن مناطق محدّدة، مثل باب توما، القصاع، باب شرقي، ذات الأغلبية المسيحية... لم تعد الإشكالية مرتبطة هنا في قرار المحافظ، على الرغم من خطئه، بل أصبحت مرتبطة في طريقة دفاع جمهورٍ لا بأس به عن هذا القرار. حمل المشهد العام لهذه المسألة نقيضين، لا على مستوى المواقف فحسب، بل الأهم على مستوى أدوات التعبير: اكتفى المندّدون بقرار المحافظ بالتجمّع في ساحة باب توما شرقي دمشق، مستخدمين لغة حقوقية ـ دبلوماسية ـ سلمية للتعبير عن موقفهم، مع ما لحق ذلك من بيانات موجهة للسلطة بقدر ما هي موجهة للرأي العام. قرار حصر بيع المشروبات الروحية في فئة دينية دون أخرى، وفي منطقة دون أخرى، ليس تقسيماً مكانياً، بل تقسيم هُوياتي في مقابل هذا المشهد، تظاهر مواطنون في محافظات دمشق وإدلب واللاذقية تأييداً لقرار محافظة دمشق، وكانوا جميعهم من لون طائفي واحد، وفيما بدا المتظاهرون، المُعتدى على حرّياتهم، في باب توما هادئين في التعبير عن موقفهم، بدا الغضب والاستخفاف بالآخرين جلياً في المظاهرات المؤيدة لمنع بيع المشروبات الكحولية ومنع تقديمها في المطاعم والحانات. ظهر هذا أولاً في الشعارات المرفوعة "ما بدنا سكرجية، وهزّ كفّك هزّه هزّ، دين محمد دين العزّ"، ثم في شعار "مندوسهم مندوسهم، كل الفلول مندوسهم، وبالسيف نقطع رؤوسهم، حرّية، حرّية". وضمن هذه الشعارات، كان بعض المتظاهرين، مع تأييد ضمني من البقية، يقولون "الذي حرّر البلد هو الذي يحكم ويقرّر"، ثم أضاف بعضهم "من لم يعجبه القرار فليخرج من البلد، نحن لا نريد سكرجية وعلمانية!". في ما يخص متظاهري باب توما، لم تكن المسألة تتعلق بالخمور فقط، بل بقضية الحريات الأساسية (الحرّيات الاجتماعية، المدنية، السياسية). وفي ما يخص الفريق الثاني، لا تتعلّق المسألة بالحريات، فهذا أمر خارج المُفكّر عندهم، وإنما تتعلق بهيمنة الأكثرية، فلما كانت السلطة امتداداً لهذه الأكثرية، فهي تمتلك الحق في إصدار قرارات تعكس "أخلاقية" الأكثرية و"هويتها". لم تكن المسألة تتعلق بالخمور فقط، بل بقضية الحريات الأساسية (الحرّيات الاجتماعية، المدنية، السياسية) إن هذه الحدية في رفض الآخر ووصفها بصفات شنيعة، بعضها يعلم معناها (سكرجية) وأخرى لا يعرف معناها (العلمانية) هو انعكاس لثقافة الاختلاف لا لثقافة الاتفاق والتفاهم، ولعل من يلقي نظرة سريعة على السوريين في وسائل التواصل الاجتماعي، لهاله ما سيقرؤه ويسمعه، فإهانة الآخر وتخوينه ونعته بأبشع الصفات، أصبحت سمة التخاطب السوري ـ السوري، إلا ما رحم ربي. نعم، قرار المحافظ خطأ كبير جداً على مستويين: الأول، على مستوى المضمون، فبيع المشروبات الروحية أصبحت ظاهرة عامة في كل الدول، وحتى في الدول التي كانت حتى الأمس القريب جدّاً تمنع بيعه إلا في حدود ضيقة، أصبحت توسع من عملية البيع، لا لأن الأمر مرتبط بالسياحة والاقتصاد فحسب، بل الأهم لأنه مرتبط بالحريات الشخصية، وليس له تداعيات مجتمعية، فلا بيع الخمور يؤثر على ثقافة المجتمع ولا منعه يؤثر في ذلك. الثاني، على مستوى الشكل والصياغة، فقرار حصر بيع المشروبات الروحية في فئة دينية دون أخرى، وفي منطقة دون أخرى، ليس تقسيماً مكانياً، بل تقسيم هُوياتي، سرعان ما ينشئ ظاهرة الـ"نحن" والـ"هم"، وسرعان ما تصبح الـ"نحن" أخلاقية والـ"هم" غير أخلاقيين، وسرعان أيضاً ما تتداخل الأبعاد الأخلاقية بالهُوياتية. ولمّا كان من الاستحالة بمكان ضبط الشارع في عمومه بشأن مثل هذه القضايا، وطريقة التعبير عن مواقفه، لن يكون أمامنا سوى "الدولة"، باعتبارها المؤسسة الحاكمة الأكثر تنظيماً في سورية، أو التي يُفترض أنها كذلك، بأن تكون قراراتها مدروسة بعناية فائقة من جهة، ويتم صياغتها وإخراجها بطريقة لا تدفع نحو الاشتباك السياسي، أو الهُوياتي، أو الطائفي، أو المناطقي.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية