عربي
مع الصفحات الأولى لكتاب "عن الأزمنة المحصورة بين النقرات" للناقد الموسيقي اللبناني فادي العبد الله، سيدرك القارئ أن المؤلف اختار وجهة بحثية صعبة، في موضوعها، وفي سبل معالجتها، وأنه قد بذل جهداً كبيراً، سواء بسعيه خلف المعلومات المتناثرة في كتب تراثية متقادمة، أو بعمله على وضع هذه المعلومات إلى جوار بعضها، طلباً لصورة أوضح ورؤية أكمل، ثم إتباع كل هذا البحث بجهد تحليلي يتسم بالجدية والعمق.
انشغل المؤلف بقصة الإيقاع كما سطرها أعلام وفلاسفة، مثل صفي الدين الأرموي، وأبو يوسف الكندي، وإخوان الصفا، والشيخ الرئيس ابن سينا، وصولاً إلى الشيخ عمر البطش الحلبي، والشيخ درويش الحريري، وكتابات كامل الخلعي، وتقارير لجان مؤتمر الموسيقى العربية الأول في القاهرة عام 1932.
طارد العبد الله ما وصفه بتمثلات الإيقاع، تدويناً واستخلاصاً، وتنفيذاً، وتطوراً، عبر ما يقارب ألف عام. يقع الكتاب الصادر عن دار "الكتب خان" بالقاهرة في 330 صفحة، توزعت على ثلاثة فصول، تناول أولها طرائق الفلاسفة الأوائل في التعامل مع المسألة الإيقاعية تنظيراً وتنفيذاً، وكيفيات التعبير عن الإيقاع في الكتابات العربية، مع وقفة مطولة أمام إيقاع المخمس.
في الفصل الثاني من "عن الأزمنة المحصورة" تناول العلاقة بين الشعر والموسيقى، وتحديداً بين العروض والإيقاع، والفرضيات التي تناولت هذه العلاقة، ومدى تأثير العروض في عمل الملحنين.
وفي الفصل الأخير، رصد المؤلف رحلة تطور الألحان خلال قرون متعاقبة، وما طرأ على القوالب والأشكال الموسيقية من تحول، وتناول التغييرات التي طاولت الأبعاد الموسيقية، وأثر ذلك على تعامل الملحنين مع الأجناس والمقامات.
خلص المؤلف إلى نتائج مهمة، في مقدمتها أن الموسيقى الشرقية تتسم بحركية سريعة، ولم تتوقف عن التطور السريع، من خلال التغيير والإضافة والحذف، وهو ما يرتب إعادة النظر في فكرة "الأصالة" أو "الزمن المرجعي"، التي تفترض ثباتاً موسيقياً وغنائياً موهوماً، وتخلق في الأذهان تصورات غير حقيقية عن الموسيقى في حقب مضت.
انشغل فادي العبد الله دائماً بتفكيك الأساطير، واختبار المقولات الفنية المستقرة، واتسمت كتاباته بقدر عال من الجدية البحثية والصرامة التحليلية، مع قدرة واضحة على التعبير عن معانٍ مركبة وزوايا صعبة بصيغ محكمة وجامعة.
في الفصل الأول من الكتاب، يرصد المؤلف مواقف أعلام الفلاسفة الموسيقيين من مسألة الضروب في عمومها، ومدى امتلاك كل منهم نظرية عامة في الإيقاعات، مستعرضاً في ذلك أسماءً من طبقة الكندي أو الفارابي، أو ابن سينا، أو إخوان الصفا، قبل أن ينتقل إلى القسم الذي خصصه لطرائق تمثيل الإيقاع، تدويناً وتنفيذاً، بدءاً من القرن التاسع الميلادي، وما طرأ على هذه الطرق من تطورات، وطرائق قدماء الموسيقيين في التعبير عنها، مثل ذكر بعضهم للنقرات مع إيضاح السكتات، أو إيضاح النقرات من دون إشارة إلى السكتات، ومدى استخدامهم التفاعيل العروضية في التعبير الإيقاعي، وكتابة الدم والتك، أو استخدام الأرقام للتعبير عن الزمن، وصولاً إلى القرن العشرين، واستقرار التدوين بالنوتة الإفرنجية.
وضع المؤلف معايير واضحة وشروطاً لا يمكن تجاوزها عند النظر في أي تمثيل إيقاعي، وهي تحديد تقسيمات الإيقاع إلى أجزاء داخلية، وتحديد عدد النقرات في كل جزء، وطبيعة هذه النقرات شدة وخفوتاً، والسكتات الواردة بين النقرات، وسرعة الوحدة الزمنية التي يجري عليها الإيقاع.
يكرس العبد الله بهذه الشروط لطريقته المعيارية، التي يلمسها القارئ في كل أقسام الكتاب، إذ يتوازى البحث الأفقي الواسع مع نظر منطقي نافذ إلى العمق، ليسفر عن نتائج مقنعة، يقبلها الناقد المعاصر بقدر كبير من الاطمئنان.
الإيقاع أوسع من أن يُختزل في تفعيلات الشعر والعروض
وفي وقفة بحثية مطولة، استعرض المؤلف رحلة إيقاع المخمس 16/4 عبر القرون، وكيف تعامل معه الموسيقيون، من صفي الدين الأرموي (1216 - 1294)، مروراً بقطب الدين الشيرازي (ت 1311)، والفقيه الحنبلي الموسيقي ابن كُرّ (ت 1357)، وفتح الله بن شكر الله الشرواني (ت 1486)، مروراً بالتمثلات المختلفة لهذا الإيقاع في حقبة الدولة العثمانية، وصولاً إلى القرن العشرين، وروايات المخمس المتباينة في الشكل التدويني والتنفيذي بين إسطنبول والشام والقاهرة، وإيضاح الصيغ الحديثة التي واكبت مؤتمر عام 1932، مثل رواية البارون دير لانجيه والشيخ علي الدرويش في تقريرهما إلى المؤتمر، وهي رواية تختلف اختلافاً يسيراً -اعتبره المؤلف زخرفياً- عن رواية الشيخ عمر البطش الحلبي، وانتهاءً بما كان يعتمده معهد الموسيقى الشرقية في القاهرة، وما أورده الموسيقي المصري كامل الخلعي، أخذاً عن الشيخ أبي خليل القباني الدمشقي.
يوضح المؤلف أن هذا التتبع الطولي لإيقاع المخمس، ينتج فهماً أعمق لتركيب الضروب الإيقاعية الطويلة، وكيفية تحليلها إلى حقول إيقاعية أصغر. تكشف الرحلة البحثية مع المخمس عن أن الإيقاعات المركبة والطويلة بقيت لقرون تمثل جانباً أساسياً من الموسيقى عند الفرس والأتراك والعرب، لكن في الأزمنة المتأخرة تراجع حضور هذه الإيقاعات المعقدة، لمصلحة أخرى أبسط وأسهل. ويؤكد المؤلف أن هذا التوجه نحو التبسيط نتجت منه خسارة للثروة الإيقاعية الموروثة، وفقدان معرفة طرائق التفاعل معها تلحيناً واستماعاً.
المخمس يكشف تاريخ الإيقاع بين الأرموي والقاهرة
خصص المؤلف الفصل الثاني من "عن الأزمة المحصورة" لمناقشة علاقة الإيقاع الموسيقي بالعروض الشعري، ومحاولات ربط الموسيقى بتفاعيل الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت 789 م) والادعاء أن تلك الضروب يمكن توظيفها لشرح إيقاعات مختلفة، مثل المربع أو النوخت، على سبيل التمثيل.
يرى المؤلف أن الإيقاع الموسيقي أوسع من تفعيلات الشعر، وأن النظام العروضي قاصر عن استيعاب الأساليب الإيقاعية، ويرى أن محاولات الربط بين العروض والإيقاع تصدر غالباً في أوساط بعض الموسيقيين المشغولين بإحياء موسيقي من العصر الخديوي، أو المتأثرين بالتنظير العثماني المتأخر.
ويلفت المؤلف الانتباه إلى أن هؤلاء الموسيقيين لم يطرحوا نظرية متماسكة يمكن تنزيلها على العلاقة العروضية الإيقاعية، مع اتصافها بالاطراد، وإمكانية تطبيقها من قبل آخرين.
ولأن الربط بين الإيقاع الموسيقي والعروض الشعري لا يستقيم من أي طريق، ويفتقر إلى الاتساق والاطراد، واتسم بالعشوائية والانخداع بالمتشابهات، فقد رجح المؤلف أن تكون ما سماها أسباباً أيديولوجية وراء الإصرار على هذا الربط المتعسف.
حدد المؤلف ثلاثة أشكال مؤدلجة تدفع إلى اختلاق علاقة مطردة موهومة بين الإيقاع والعروض
حدد المؤلف ثلاثة أشكال مؤدلجة تدفع إلى اختلاق علاقة مطردة موهومة بين الإيقاع والعروض، أولها، الرغبة السياسية في ربط الموسيقى باللغة، ثم ربط الموسيقى العربية بالفصاحة العربية، إعلاءً لشأن الهوية ورفض التهجين والتأثر بموسيقات أخرى.
وثانيها، الإعجاب الشديد بأسماء الأعلام الأقدمين وكتبهم، والتمسح بهالاتهم، وببعض إشاراتهم إلى الإيقاعات ومقارنتها ببعض الأشكال العروضية، مع الغفلة عن كون التشابه لا يعني الترابط. وثالثها، القراءة الخاطئة لأقوال بعض الأعلام، مثل ما نقل عن الجاحظ من أن العرب "تقطع الألحان الموزونة على الأشعار الموزونة"، وهو ما فهمه المؤلف بأنه مجرد إشارة إلى بعض أنواع الحداء، والإنشاد الذي يجري الترنم به على قدر البحر الشعري.
إجمالاً، يرى المؤلف أن الإيقاع الموسيقي أوسع كثيراً من العروض الخليلي، ويشبه المُصرين على الربط بين الحقلين بمن يريد أن يصف الساقية بقياسات المحيط، وهو معنى عززه بنقل قول ابن خلدون إن "التناسب الذي من أجل الأجزاء والمتحرك والساكن من الحروف قطرة من بحر تناسب الأصوات كما هو معروف في كتب الموسيقى".
يخلص المؤلف إلى أن العروض الخليلي "لفظ لوصف إيقاع كلام، وهو محدود بإمكانيات الكلام، ولا يصلح لوصف إيقاعات موسيقية متقنة ومعقدة، تجاوزت منذ أكثر من ألف سنة إيقاعات الحداء والإنشاد الشعري الأقدم".
جاء الفصل الأخير من الكتاب بعنوان "تطورات الألحان عبر البلدان والأزمان". وتحت هذا العنوان العام، تناول المؤلف عدداً من المباحث، مثل منهجية التلحين عند الأعلام القدماء، ولا سيما في تعاملهم مع الإيقاع، وتقسيمه إلى مُوَصَّل ومُفَصَّل، ومفهوم الفاصلة عند الرواد الأوائل في العصر العباسي، وطرائق تقسيم اللحن والبيت الشعري، وأثر التقسيمات التي وضعها الفارابي على اتجاهات التنظير الموسيقي اللاحقة، ومدى الاتفاق والافتراق معها في صنيع الأرموي ومن جاؤوا بعده.
كذلك رصد "عن الأزمنة المحصورة" مسيرة تطور الأبعاد والأجناس المقامية، والاختلافات الحقيقية واللفظية في تقسيم أبعاد الديوان الكامل (أوكتاف)، والدرجات التي أضيفت لاحقاً بسبب تأثيرات محلية، فارسية أو عراقية أو مصرية، ثم افتراق هذه التقاليد المحلية وتمايزها.
واستعرض المؤلف تطور قوالب التلحين بدءاً من العصر العباسي الوسيط، متوقفاً مع ما دوّنه كبار المنظرين لهذه الحقبة مثل الحسن الكاتب، وابن الطحان، وابن كر، وغيرهم، مع تنبيه متكرر على الحذر في فخ الاشتراك اللفظي، إذ يستخدم هؤلاء الأعلام المصطلح نفسه للتعبير عن مفاهيم مختلفة، ومن ذلك لفظة "الدور" التي تأتي تعبيراً عن الإيقاع، أو الجنس النغمي، قبل أن تصبح لاحقاً معبّرة عن قالب موسيقي محدد، أو جزءاً معيناً من أكثر من قالب. وكذلك مصطلحات "البحر"، و"الصوت"، و"النشيد" و"البسيط"، وغيرها.
لا ريب أن هذا الكتاب، بموضوعه المعقد، وبالمنهجية الصارمة التي التزمها المؤلف، مع نَفَسه البحثي الطويل، سيمثل إضافة بالغة الأهمية إلى المكتبة الموسيقية العربية، وإلى الرؤى النقدية الجادة، التي يقدرها الموافق ويحترمها المخالف، ويتأملها باهتمام من يريد أن يبدأ طريقاً بحثياً موازياً.
رأى فادي العبد الله أن الهيبة والتوقير منعا من اختبار مقولات الآباء والأجداد، وحالا دون وضع أحكامهم على موازين النقد الموضوعي، فانتدب نفسه لمهمة صعبة، يسائل فيها الكندي والفارابي وإخوان الصفا والأرموي والشيرازي وابن كُرّ، ويحمل أجوبتهم إلى الشيخ درويش الحريري، والشيخ علي الدرويش، والبارون دير لانجيه، وزملائهم في مؤتمر القاهرة، ليضع يد القارئ على حقائق ذات شأن، تدحض المفاهيم المستقرة عن الأصالة، والنقاء الموسيقي، وثبات الطرائق التلحينية. تلك الموسيقى لم تكف عن التحرك، ولا تعرف ثابتاً إلا التغير المستمر.

أخبار ذات صلة.
4 شهداء في قصف إسرائيلي شرقي مدينة غزة
العربي الجديد
منذ 6 دقائق