عن ديكتاتورية الكُودة البلشفية في المكلا!
أهلي
منذ 4 ساعات
مشاركة

فتحي بخضر

المجلس الانتقالي وأدواته: عن ديكتاتورية الكُودة البلشفية في المكلا وجمهورية البساتين الشعبية في عدن!
ليست كل لحظة احتجاج دليلاً على حيوية السياسة، كما أن ليست كل جماهيرية علامةً على شرعية راسخة. ففي البيئات الهشّة، لا يظل الشارع مجرد مساحةٍ للتعبير، بل ينزلق تدريجياً ليغدو أداةً موازية لإنتاج القرار، أو بديلاً غير معلن عن مؤسسات يفترض بها أن تحتكر الفعل العام وتنظّمه. عند هذه العتبة تحديداً، لا يعود الاحتجاج مجرد وسيلة لإيصال الصوت، بل يتحول إلى موردٍ قابل للتوظيف، يُستثمر في التأثير على القرار العام أو فرضه. وهنا يتبدل السؤال من: من يحتج؟ إلى: من يوجّه هذا الاحتجاج، وبأي غاية، وعبر أي أدوات؟

في هذا السياق يمكن الحديث عمّا يشبه “ديكتاتورية الشارع”؛ لا بوصفها فعلاً عفوياً صادراً عن الجماهير، بل كآلية يُعاد عبرها تشغيل الحشد غير المنظم لتجاوز الأطر المؤسسية وفرض إرادة سياسية خارج قواعد اللعبة. وبعبارة أخرى، لا تكمن الإشكالية في الشارع ذاته، بل في قابليته للتحوّل إلى أداة بيد فاعلين يعجزون عن تمرير مشاريعهم عبر القنوات السياسية الطبيعية، فيلجؤون إلى تعبئة مفتوحة، بلا سقفٍ واضح ولا مساءلة مباشرة عن مآلاتها.

من هذا المنظور، يمكن قراءة ما يجري في حضرموت اليوم باعتباره انتقالاً من مجرد تنازع نفوذ بين قوى محلية إلى صراع أعمق حول تعريف الشرعية ذاتها: هل تُستمد من المؤسسات، على هشاشتها، أم من القدرة على الحشد والتعبئة، ولو خارج أي إطار تنظيمي متماسك؟

ولا تبدو تحركات المجلس الانتقالي الجنوبي في حضرموت وعدن منفصلة عن هذا النمط. فمنذ تعثر خيار الحسم العسكري، برزت لديه أشكال موازية من الفعل السياسي تقوم على استدعاء الشارع بوصفه أداة ضغط مستمرة. في هذا الإطار، لا يُوظف الاحتجاج لتعزيز مسار تفاوضي منضبط، بقدر ما يُستخدم لفرض إيقاعٍ ميداني يضع الخصوم-وأحياناً الأطراف الدولية الداعمة-أمام معادلة ضاغطة: إما الاستجابة، أو مواجهة حالة تعبئة قابلة للتصعيد.

في هذا المشهد، تتكشف وقائع ميدانية تُظهر كيف يمكن أن يتحول الشارع من مساحة تعبير إلى ساحة صراع داخلي. ففي المكلا، وبحسب روايات محلية وشهادات متقاطعة، شهدت فعالية جماهيرية دعت إليها السلطة المحلية تحت شعار الوفاء للمملكة العربية السعودية والتنديد بالاعتداءات الإيرانية على أراضيها، انزلاقاً سريعاً نحو حالة من الفوضى العنيفة. فقد بدأت الأحداث بإطلاق نارٍ مفاجئ، تلاها اضطراب داخل الحشود شمل تدافعاً وأعمال تخريب. وتشير تلك الروايات إلى أن عناصر يُنسبون إلى المجلس الانتقالي الجنوبي اندسّوا وسط المشاركين قبل لحظة التصعيد، ما أدى إلى تحويل الفعالية من مساحة تعبير جماعي إلى ساحة ارتباك وانقسام وسقوط ضحايا.

وبغض النظر عن مدى دقة التفاصيل الجزئية، فإن نمط الحادثة-بما يتضمنه من اختراق داخلي وتوجيه للفوضى من داخل الحشد-يكشف عن أحد أخطر أشكال توظيف الشارع: أن يُستخدم ضد ذاته. أي أن يتحول الحشد، الذي يفترض أن يكون مجالاً للتعبير، إلى بيئة قابلة للاختراق وإعادة التوجيه من الداخل.

هنا لا يعود الأمر مجرد تباين بين سلطة ومعارضة، بل يتحول إلى إعادة توزيع للعنف داخل المجال الاجتماعي نفسه؛ حيث يُدفع المواطن من موقع الفاعل السياسي إلى موقع العنصر داخل صراع لا يتحكم في مساره. وفي هذه اللحظة، لا يكون الشارع ضحيةً فقط، بل يصبح أيضاً أداة لإنتاج الفوضى التي تُستخدم لاحقاً لتوسيع نطاق السيطرة عليه.

ولا يقتصر هذا النمط على حضرموت. ففي عدن، تبرز إشكالات موازية – مصدرها الانتقالي أيضاً- تتصل بالفضاء العام والملكية. فالمظاهرات الجماهيرية، مهما بلغ زخمها، لا تمنح بذاتها أي طرف حق التصرف في ممتلكات لا يملكها، سواء كانت خاصة أو عامة. إذ إن تحويل الحشد إلى غطاء لفرض وقائع قانونية أو إدارية خارج الأطر المؤسسية يفتح الباب أمام نزاعات ممتدة، لا تُحسم بزخم اللحظة بقدر ما تتفاقم مع الزمن. وفي هذا السياق، يطرح بعض المراقبين تساؤلات حول ما إذا كانت بعض الخطابات أو الممارسات القائمة على منطق “التمكين الجماهيري” تستلهم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، مقولات فكرية سابقة ارتبطت بتجارب مثل تجربة الزعيم الليبي معمر القذافي في “الكتاب الأخضر”، ولا سيما ما عُرف بمقولة “البيت لساكنه”، بوصفها مدخلاً لإعادة تعريف الملكية خارج الأطر القانونية والمؤسسية.

وتكشف التجربة الليبية، حيث طُرحت مقولة “البيت لساكنه” كتصور لإعادة تشكيل مفهوم الملكية، كيف يمكن لشعار تعبوي أن يتحول إلى مصدر ممتد للفوضى القانونية والاجتماعية. فقد لم يؤدِّ ذلك الطرح إلى تسوية مستقرة، بل ساهم في إنتاج واقعٍ تتداخل فيه الحقوق وتتعدد فيه المرجعيات، مع استمرار آثار ذلك في شكل نزاعات معقدة حول الملكية حتى اليوم.

بهذا المعنى، لا يعود السؤال: من يملك الشارع؟ بل: من يمتلك القدرة على توجيهه، وإعادة تعريف ما يُسمى “الإرادة العامة”؟

وفي هذا السياق تحديداً، لا يغدو الحديث عن “ديكتاتورية الشارع” مجرد توصيف نظري، بل توصيفاً يلامس سلوكاً سياسياً يقوم على توظيف الحشد كسلطة بديلة لفرض الإرادة خارج الإطار المؤسسي. ويبدو أن تعامل المجلس الانتقالي مع الرأي الآخر لا يتجاوز كونه انعكاساً لرأيه هو، يُعاد إنتاجه بصيغ مختلفة على لسان الآخرين، بما يجعل الاختلاف يُنظر إليه لا كحق، بل كانحراف ينبغي احتواؤه أو تحييده. ومن هنا يبرز تساؤل مشروع: إذا كانت “الثورة”-على سبيل الافتراض الجدلي-لا تقبل النقد وهي خارج السلطة، فكيف سيكون موقفها منه حين تتصدر موقع الحكم؟

غير أن خطورة هذا النمط لا تكمن في أدواته فحسب، بل في طبيعة الفاعلين الذين يديرونه. الذي يثير الاستفزاز فيما يجري اليوم بين الجنوبيين ليس مجرد التباين في المواقف، بل حالة التقديس التي يُضفيها البعض على أشخاص بعينهم، لمجرد أنهم يتصدرون المشهد في التظاهرات أو يعلو صوتهم داخل الحشود، دون الانتباه إلى أن هذا الحضور لا يشكّل بالضرورة دليلاً على استقلالية الموقف، بقدر ما قد يكون امتداداً لحصانةٍ سابقة اكتسبوها من داخل مؤسسات كانوا جزءاً منها أو ارتبطوا بها قبل أن يتظاهروا بمناهضتها اليوم.

وليس من قبيل المصادفة أن عدداً من أبرز القيادات التنفيذية في المجلس الانتقالي الجنوبي سبق أن شغل مواقع قيادية في أحزاب وتيارات سياسية أخرى، وفي مقدمتها حزب المؤتمر الشعبي العام، قبل إعادة تموضعها داخل هذا الكيان. فشخصيات مثل أحمد حامد لملس، ومبخوت بن ماضي، وأحمد سعيد بن بريك، وعلي الكثيري، تعكس تشابكاً واضحاً بين خبرات تشكّلت داخل بنى حزبية تقليدية، ثم أُعيد تدويرها ضمن مشروع جديد، بما يوحي بأن تشكّل هذه النخب لم يكن قطيعةً مع المنظومات السابقة بقدر ما كان امتداداً لها بصيغة مختلفة.

وعلى هذا الأساس، لا يبدو حضور هذه القيادات مجرد انتقالٍ فردي في المسار السياسي، بل جزءاً من إعادة إنتاج أوسع للفاعلين داخل المشهد ذاته، الأمر الذي يفتح الباب لقراءته بوصفه التفافاً على جوهر القضية الجنوبية أكثر من كونه تمثيلاً خالصاً لها.

وفي أقصى تجليات هذا النمط، تتحول ساحة التعبير إلى فضاء مواجهة مفتوحة بين فاعلين متعددين، يُنتج كلٌ منهم شرعيةً موازية باسم الحق ذاته. وعند هذه النقطة، لا يعود مصدر الخوف محصوراً في السلطة، بل يتشظى داخل المجتمع نفسه، حيث يغدو الأفراد أحياناً أكثر خشيةً من بعضهم بعضاً مما هم عليه من السلطة ذاتها.

The post عن ديكتاتورية الكُودة البلشفية في المكلا! appeared first on يمن مونيتور.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية