حزبي
«صحيفة الثوري» – (رأي):
نبيل غالب
لم يكن التصريح الأول لوزير الإعلام الجديد سالم العولقي مجرد كلام بروتوكولي معتاد عقب أداء اليمين، بل بدا كوثيقة نوايا وخارطة طريق لمرحلة مختلفة، حاول فيها أن يضع يده على جوهر الأزمة الإعلامية اليمنية.
لأول مرة منذ سنوات، يتحدث وزير إعلام لا عن الرد على إعلام العدو كأولوية وحيدة، بل عن تحديث المؤسسات، وتأهيل الكوادر، وتحسين بيئة العمل. هذا التحول في ترتيب الأولويات هو في حد ذاته إعلان عن تغيير في الفلسفة.
الوزير العولقي أدرك حقيقة يغفلها كثيرون، وهي أن الإعلام الرسمي لا يمكنه أن يواجه خطاب مليشيا الحوثي التضليلي وهو يعمل بأدوات التسعينيات، وببيئة عمل طاردة للكفاءات، وبرواتب لا تسد رمق الصحفي.
عندما يتحدث عن الاستثمار في تأهيل الكوادر وتحسين بيئة العمل فهو يعترف ضمناً بأن المعركة الحقيقية تبدأ من داخل مبنى الوزارة ومؤسساتها، لا من على شاشة التلفاز.
فالإعلام الذي يفقد كوادره بسبب سوء الأوضاع المعيشية، هو إعلام يحفر قبره بيده.
اللافت في حديث العولقي هو وضعه لأوضاع الصحفيين في صدارة الاهتمامات، وربطه بين صون الحقوق وتعزيز الحريات الصحفية وتوفير الضمانات. هذه لغة لم نعتد سماعها كثيراً من مسؤول رسمي.
الرسالة هنا مزدوجة: للداخل، بأن الوزارة ستكون مظلة حامية للصحفي لا عصا عليه، وللخارج، بأن الشرعية تريد أن تقدم نموذجاً مختلفاً عن نموذج الحوثي الذي يقتل الصحفي ويخفيه ويحاكمه بتهمة التخابر.
لا يمكن أن نطالب الصحفي بالدفاع عن الدولة وهو يشعر أن الدولة لا تدافع عن حقه في العيش الكريم والعمل بحرية.
نقطة التحول الأبرز هي دعوته الصريحة لـ توسيع جسور التواصل مع الإعلام الخاص والأهلي والمستقل وإيمانه بـ التعددية واحترام استقلالية المؤسسات.
هذا اعتراف بأن زمن الإعلام الرسمي الموجّه قد ولّى، وأن الدولة القوية هي التي تستوعب كل الأصوات تحت سقف المهنية، لا التي تحتكر الحقيقة.
بناء شراكة مسؤولة مع الإعلام الخاص هو الطريق الوحيد لخلق جبهة إعلامية وطنية موحدة، لا يمكن أن تتشكل بالأوامر.
عندما شدد العولقي على أن مواجهة الحوثي تتطلب توحيد الخطاب بعيداً عن المناكفات والصراعات البينية، فهو يضع إصبعه على الجرح الأعمق.
فخلال السنوات الماضية، استنزفت كثير من المنصات المحسوبة على الشرعية طاقتها في صراعات بينية جنوبية – شمالية، وحزبية – مناطقية، مما أتاح للحوثي أن يتمدد إعلامياً في الفراغ.
الوزير الجديد يقول بصراحة: لن ننتصر على آلة التضليل الحوثية ونحن نطلق النار على بعضنا.
حديث العولقي طموح ومهني، لكنه يدرك أنه لا يدير وزارة إعلام اليمن الموحد بكل أرشيفها ومؤسساتها، بل يدير إعلام الشرعية في مساحة جغرافية محاصرة إعلامياً، ومهمته هي بناء بديل مهني من تحت الركام.
والتحدي الحقيقي ليس في صياغة البيان، بل في تنفيذه. هل سيمتلك الموازنة والصلاحيات الكافية لتحديث ما تبقى من مؤسسة 14 أكتوبر ووكالة سبأ وقناة عدن؟ وهل سينجح في تحويل وعود تحسين أوضاع الصحفيين إلى قرارات ملموسة؟
الكرة الآن في ملعبه، والوسط الصحفي الذي استبشر خيراً بقدوم شخصية مهنية من داخله، سيراقب الأفعال لا الأقوال. وإن نجح، فسيكون قد أسس لإعلام وطني يمتلك أدوات العصر ويدافع عن الحقيقة، كما وعد.
The post العولقي وإعلام التسعينيات في مواجهة العصر first appeared on الثوري | آخر أخبار اليمن والأخبار العربية والدولية.