أهلي
يمن مونيتور/ وحدة التقارير/ خاص:
لم تعد المعركة مع جماعة الحوثي تُقاس بعدد الضربات الجوية التي تتلقاها، ولا بحجم الخسائر التي تعلنها القيادة العسكرية، بل بقدرة القوات الحكومية على تحويل هذا الاستنزاف إلى انتصارات ميدانية تكسر حصار تعز وتفتح الطريق نحو العاصمة صنعاء. فبعد شهر من إطلاق عملية «فجر اليمن»، وعشرات الآلاف من عمليات الاستهداف، تتصاعد الأسئلة حول موعد الانتقال من إنهاك القدرات الحوثية إلى انتزاع الأرض، في وقت يرى خبراء عسكريون أن فرص الحسم بدأت تتشكل، لكن تأخير استثمارها قد يمنح الجماعة فرصة لإعادة ترتيب دفاعاتها.
وأعلن مجلس القيادة الرئاسي اليمني أن القوات المسلحة نفذت، منذ الخامس من أكتوبر/تشرين الأول، أكثر من 41 ألف عملية استهداف عسكرية ضد جماعة الحوثي في مختلف الجبهات، أسفرت، بحسب المجلس، عن تحييد نحو 20 ألف من قيادات الجماعة وعناصرها، وتدمير وإعطاب أكثر من خمسة آلاف آلية عسكرية.
وأكد المجلس أن العملية تمضي نحو إنهاء الانقلاب واستعادة مؤسسات الدولة، بمساندة تحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية، داعياً اليمنيين إلى التمسك بالدولة وحماية أبنائهم من التجنيد والاستغلال.
لكن وراء هذه الأرقام الضخمة، تبرز معضلة عسكرية أكثر تعقيداً: كيف يمكن ترجمة التفوق الجوي إلى تقدم بري حاسم، بينما لا تزال تعز محاصرة، وتخوض القوات الحكومية معارك شاقة في مرتفعات الحجرية والمقاطرة، وتقترب جبهة الجوف من خطوط دفاعية أقامها الحوثيون لحماية مدينة الحزم؟
استنزاف غير مسبوق
يرى الباحث العسكري العميد محمد الكميم أن المرحلة الأولى من عملية «فجر اليمن» خُصصت أساساً لاستنزاف القدرات الحوثية، وتدمير مخازن الأسلحة ومنصات إطلاق الصواريخ ومراكز الاتصالات والمعدات العسكرية، تمهيداً لعمليات برية أوسع خلال المراحل التالية.
وقال الكميم، في مقابلة مع قناة «الإخبارية» السعودية، إن الحوثيين تعرضوا لضربات استهدفت مخازن استراتيجية ووسائط مرتبطة بالإمداد البحري ومنشآت تدعم المجهود الحربي، معتبراً أن الجماعة تواجه حالياً أزمة في المقاتلين والعتاد، وانخفاضاً في قدرتها على إدارة المواجهات في عدد من الجبهات.
لكنه أقر بأن حجم الضربات لم ينعكس بعد في صورة مكاسب ميدانية تتناسب معه، مؤكداً أن «الضربات الجوية» لا تحقق نتائج مثمرة ما لم تستثمرها القوات البرية في تحرير المناطق والسيطرة عليها.
وتبرز هنا نقطة الخلاف الأساسية بين ضرورات التخطيط العسكري وضغوط الميدان؛ فالكميم يعتقد أن القيادة العسكرية ربما تؤجل تحريك بعض الجبهات إلى المرحلة التالية، لكنه شدد على أن تأخير كسر حصار تعز «لم يعد مقبولاً».
وأضاف أن القوات الحكومية ينبغي أن تستثمر ما وصفه بضعف الحوثيين الحالي، بدلاً من انتظار تدمير كامل قدراتهم، معتبراً أن الإسناد الجوي المكثف يوفر فرصة مهمة للتحرك البري قبل أن تتمكن الجماعة من استعادة توازنها.
وقال الكميم: “وبالتالي هي فرصة كبيرة استغلال وجود القوات الجوية بهذا الزخم وبهذه القدرات مع التحرك على الأرض، لكن مع هذه المطالب، لكن أعتقد المخطط الاستراتيجي أنه ما زال لدينا خمس مراحل قادمة قد تكون هذه التحركات ضمن المرحلة الثانية في أي لحظة قد تنطلق”.
وأضاف: بانطلاق المرحلة الثانية والثالثة والرابعة سنكون قد وصلنا إلى المرحلة الرئيسية، وهي مرحلة الوصول إلى صنعاء واستعادة مؤسسات الدولة، لأن المرحلة الأولى هي مرحلة حساسة جداً ولا تظهر فيها النتائج المرجوة التي يتمناها اليمني، لكن نحن ندرك أن النتائج ستأتي خلال المراحل القادمة”.
آلية للجيش اليمني في تعز تقاتل الحوثيين (Military Media)
تعز.. مدينة تحولت إلى معركة استنزاف
في تعز، تبدو المعادلة أكثر تعقيداً، حيث يواجه الحوثيون مقاومة مستمرة في المناطق الجبلية، بينما يحاولون إحكام الحصار على المدينة والتحكم بالطرق المؤدية إليها.
ووصف الخبير العسكري والاستراتيجي اللواء محسن خصروف تعز بأنها «الثقب الأسود» الذي يستنزف التحشيدات الحوثية، معتبراً أن الجماعة أخطأت في تقدير قدرة السكان والمقاومة الشعبية على الصمود أمام هجماتها.
وقال خصروف، في مقابلة تلفزيونية، إن الحوثيين يدركون صعوبة اقتحام المدينة مباشرة، ولذلك يركزون على حصارها وتجويع سكانها وإضعاف معنويات المدافعين عنها، تمهيداً لمحاولة فرض السيطرة عليها لاحقاً.
وأضاف أن الجماعة تستهدف تعز أيضاً لما تمثله من رمزية وطنية وجمهورية، مشيراً إلى أن معركتها تتجاوز الحسابات العسكرية المتعلقة بالسيطرة على المواقع والطرق.
وانتقد خصروف ما وصفه بغياب الدور الفاعل لعدد من القيادات والجهات العسكرية الرسمية، مؤكداً أن المقاومة الشعبية تتحمل العبء الأكبر في التصدي للهجمات الحوثية، في حين لم تدخل ألوية نظامية عديدة المعركة حتى الآن، بحسب تقديره.
وأشار إلى أن المقاومة تمكنت من تعزيز بعض مواقعها، بينها جبهة صبر التي جرى توفير أكثر من 50 رشاشاً لمقاتليها خلال الشهر الماضي، معتبراً أن هذه التعزيزات أسهمت في صد هجمات متكررة.
A battle tank advances during ongoing fighting between Houthi and Saudi-backed Yemeni government forces along the frontlines in al-Kadha, west of Taiz in western Yemen, on September 16, 2026. (Photo by Ahmad AL-BASHA / AFP) /
الجبال تحكم المعركة
وتتقاطع تقديرات الخبراء عند حقيقة عسكرية واحدة: التفوق الجوي وحده لا يكفي لحسم المعركة.
وقال خصروف إن الغارات الجوية نجحت في تدمير قدرات صاروخية ومدفعية وتجمعات قتالية حوثية، لكنه أكد أن «الطيران لا يصنع نصراً، الطيران يمهد للنصر»، مشدداً على ضرورة أن تتبع الضربات عمليات برية تستعيد المواقع ومصادر النيران.
وفي قراءة لطبيعة المواجهات جنوبي تعز، أوضح المحلل العسكري والاستراتيجي العميد الركن ياسر صالح أن صعوبة القتال ترتبط بالجغرافيا الجبلية الحاكمة، الممتدة من هيجة العبد وجبل منيف في الزعازع باتجاه المقاطرة والأقروض.
وقال صالح في مقابلة متلفزة، تابعها “يمن مونيتور”، إن القوات الحوثية حاولت إعادة تمركز عناصر مزودين بأسلحة مضادة للدروع وقناصة على المرتفعات، بعد تعرضها لخسائر أثناء محاولات التقدم نحو الوديان والمناطق المنخفضة.
وأشار إلى أن القوات الحكومية حققت تقدماً خلال الساعات الأربع والعشرين السابقة للمقابلة، وسيطرت على بداية سلسلة جبلية يمكن تطوير العمليات منها نحو محاور أخرى، وسط استمرار المواجهات في طور الباحة والمضاربة.
أما خصروف، فاعتبر أن السيطرة على قلعة المقاطرة تمثل ضرورة عسكرية بسبب موقعها الحاكم، منتقداً ضعف تحصينها قبل وصول الحوثيين إليها.
آلية للجيش اليمني خلال معارك مع الحوثيين شرقي الجوف 3/11/2026 (Military Media)
الجوف.. سباق نحو الحزم قبل اكتمال دفاعات الحوثيين
وفي الجوف، تتجه الأنظار إلى مدينة الحزم، التي تشكل الهدف الاستراتيجي للتقدم الحكومي الجاري، وسط تحذيرات من أن إطالة المعركة قد تمنح الحوثيين فرصة لإقامة تحصينات إضافية.
وأوضح العميد ياسر صالح أن الجماعة أمضت أربع سنوات في تحصين مواقعها وإقامة ثلاثة خطوط دفاعية، مشيراً إلى أن القوات الحكومية تجاوزت الخط الأول في حويشيان، وتقدمت عبر دحيضة العاقر وصولاً إلى الخط الثاني.
وأضاف أن خط المرازيق يمثل خط الدفاع الثالث، بينما بدأت الجماعة، وفق معلوماته، إقامة دفاعات جديدة حول الحزم.
وشدد صالح على أهمية عامل السرعة في هذه المعركة، معتبراً أن إطالة المواجهات قد تسمح للحوثيين بإعادة تنظيم قواتهم وإبطاء التقدم الحكومي.
واستعار صالح مقولة “صن تزو” “السرعة هي جوهر المعركة”. مضيفاً: وأيضاً بإحدى وصاياه أنه لا تطيل أمد المعركة، خصوصاً في الجوف تحديداً؛ نحن بحاجة إلى حسم عسكري أو نصر عسكري استراتيجي سريع في ذات المنطقة”.
من جانبه، رأى خصروف أن فتح جبهات الجوف ومأرب والبيضاء والضالع يمثل ضرورة لتخفيف الضغط العسكري عن تعز، منتقداً استمرار بقاء بعض الجبهات دون تحرك فاعل.
واعتبر أن تقدم القوات الحكومية في الجوف يمكن أن يفتح آفاقاً عسكرية أوسع باتجاه مناطق محيطة بعمران وصعدة وصنعاء، شريطة توفير الدعم والمعدات اللازمة.
كما أبدى تفاؤله بتعيين أمين العكيمي محافظاً للجوف، معتبراً أن خبرته الميدانية قد تسهم في تنشيط الجبهة، فيما ربط نجاح العجي العواضي في البيضاء بقدرته على بناء تفاهمات مع القيادات والشخصيات الاجتماعية المحلية.
معركة الجوف تقترب من الحزم.. ما الذي يعنيه التقدم المتسارع في حسابات الحرب اليمنية؟
الجوف جبهة رئيسية في حرب اليمن مع استمرار تقدم القوات الحكومية
إيران وحزب الله.. اتهامات بإدارة العمليات
وفي تفسيره لقدرات الحوثيين العسكرية، اتهم الباحث محمد الكميم خبراء إيرانيين وعناصر من حزب الله اللبناني بالمشاركة في التخطيط للعمليات العسكرية وإدارة بعض منظومات الصواريخ والاتصالات والحرب الإلكترونية.
وزعم أن طائرة تابعة لشركة ماهان الإيرانية وصلت إلى الحديدة وعلى متنها أكثر من 75 خبيراً إيرانياً، قال إنهم شاركوا في إدارة معركة الساحل الغربي وتدريب الحوثيين وتشغيل منظومات عسكرية متطورة.
واستشهد الكميم بتسجيلات سابقة وتقارير عن ضبط شحنات أسلحة، معتبراً أنها تدعم الاتهامات بشأن الدور الإيراني وحزب الله، فيما لم تتضمن المقابلة توثيقاً مستقلاً للأعداد والتفاصيل التي أوردها.
كما اتهم الحوثيين باستغلال منشآت مدنية وتعليمية ومرافق مرتبطة بالمنظمات الدولية لأغراض عسكرية، وهي اتهامات تستلزم التحقق المستقل، خصوصاً فيما يتعلق بحماية المدنيين والمنشآت المحمية أثناء العمليات القتالية.
مدفعية للجيش اليمني في جبهات جنوب مأرب (Military Media)
اختبار الحسم.. هل تتحول الضربات إلى انتصارات؟
تكشف التصريحات العسكرية الثلاثة عن اتفاق على أن عملية «فجر اليمن» ألحقت، خسائر واسعة بالقدرات الحوثية، لكنها لم تحقق بعد جميع النتائج الميدانية المطلوبة.
فالكميم يرى أن الاستنزاف بلغ مستوى يتيح الانتقال إلى مراحل أكثر تقدماً، وصالح يحذر من إبطاء المعركة في الجوف، بينما يطالب خصروف بتحريك الجبهات واستثمار الضربات الجوية قبل ضياع فرصتها.
وتبقى تعز الاختبار الأكثر إلحاحاً لهذه التقديرات، إذ يترافق استمرار الحصار مع مطالب متزايدة بتحرك عسكري يكسر عزلتها، بينما تمثل الجوف فرصة لفتح جبهة ضغط إضافية على الحوثيين.
وبين إعلان القيادة السياسية استمرار العملية نحو استعادة مؤسسات الدولة، وتحذيرات الخبراء من إطالة مرحلة الاستنزاف، يتحدد السؤال المركزي للمرحلة المقبلة: هل تستطيع القوات الحكومية تحويل آلاف الضربات إلى تقدم ميداني يغير موازين الحرب، أم تبقى نتائج التفوق الجوي رهينة معركة برية لم تبلغ بعد مرحلة الحسم؟
The post 41 ألف عملية والحوثيون يستنزفون.. خبراء: ساعة الحسم تدق في تعز والجوف تفتح طريق صنعاء appeared first on يمن مونيتور.