عربي
لا شطط في مشابهة إيران في أيامها هذه بالابن الذي يقتلُ والديْه، ثم يطلبُ من جيرانه التعاطف معه لأنه يتيم. ذلك أن أولوية الجمهورية الإسلامية لا يتبيّن، في الوقائع المتتابعة في المنطقة منذ السبت الماضي، أنها إيذاء إسرائيل والولايات المتحدة، دفاعاً عن نفسها، وإنما مراكمة الخصوم واستعداء دول الخليج العربية، فليس من معنىً غير هذا لاستهدافها عسكرياً منشآتٍ حيويةً ومدنيةً في هذه الدول، إلا إذا أقال واحدُنا عقله، وأوهم نفسه بصحّة الكلام الإيراني المتكرّر، والساطع في وضوح كذبه، إنها تضرب مصالح أميركية، فليس في علم أحدٍ أن خزّانات المياه لمصانع مسيعيد للطاقة، وكذا مرافق الطاقة في مدينة راس لفان الصناعية، ومحيط مطار حمد الدولي وعدة مناطق مدنية وسكنية، في قطر، من ممتلكات الجيش الأميركي حتى تستحقّ استهدافها في اعتداءاتٍ بأكثر من مائة صاروخ باليستي وصواريخ كروز ومسيّرات عديدة وطائرتي سوخوي. ومن عجيب العجائب أن يحدّث وزير الخارجية الإيراني، عبّاس عراقجي، هاتفياً، رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري، الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، إن هجمات بلاده هذه (وغيرها) كانت موجّهة إلى مصالح أميركية ولا تستهدف دولة قطر، ما يعدّ استخفافاً ظاهراً من مسؤول إيراني رفيع بأبسط بديهيّات القانون الدولي التي لا تجيز أي استباحة لأراضي الغير، ولا التعدّي على سيادة الدول. وقد سمع الوزير في المكالمة ما لزم أن يسمعه، ومنه أن هذه الممارسات تسعى إلى إلحاق الضرر بجيران إيران "وجرّهم إلى حربٍ ليست حربهم"، و"هجمات كهذه لا تعكس أي حسن نيةٍ لدى الجانب الإيراني تجاه جيرانه".
بلغ طهران رفضُ دولة قطر كل ادّعاءاتها التي تكذّبها الوقائع، لكنها غداة ما سمعته مباشرة من الدوحة، لم ترعو، ولم تتوقّف عن توجيه الصواريخ والمسيّرات إلى مواضع مدنية في قطر التي تتصدّى دفاعاتها وقواتها المسلحة بكفاءةٍ لكل هذه الاعتداءات. ومن غريب الغرائب أن طهران زرعت جواسيس لها في قطر، بغرض التخريب ولجمع معلوماتٍ عن منشآتٍ حيويةٍ وعسكريةٍ في الدولة، ما يمثّل تمادياً شديد الخطورة، فضلاً عن أنه يبعثر زوبعةً من أسئلةٍ عما إذا كان صنّاع القرار في طهران يسلكون سياسة الانتحار العمياء أم أنهم لم يعودوا يأخذون بألف باء السياسة، فيظنّون أن إطلاق المقذوفات كيفما اتفق، و"المرجلة" على الأصدقاء والجيران، سيأتي على بلدهم بأي نجاة. ويُسأل هذا فيما الحادثُ قدّام عيون الجميع أن فشل الأجهزة الأمنية والاستخبارية (وغيرها) الإيرانية مريع، بل يبعث على الإشفاق، فقد كان حدثاً كاشفاً أن تتمكّن اليد الإسرائيلية الطولى من قتل ضيفٍ كبير على رئاسة الجمهورية في غرفة نومه في طهران، إسماعيل هنيّة، وموصولاً بما سبقه من وقائع قتل علماء إيرانيين كبار، ثم جنرالات ومسؤولين رفيعين في الجيش والاستخبارات في غضون حرب الـ12 يوماً الصيف الماضي، الأمر الذي يتكرّر، بيسرٍ يثير الذهول، منذ سبعة أيام، وأمكن فيها لليد نفسها اغتيال المرشد علي خامنئي ووزير الدفاع وأكثر من 30 قيادياً في الأركان والاستخبارات.
أعلنت قطر غضبها، وخاطبت مجلس الأمن، واستنهضت أجهزتها ومؤسّساتها العسكرية والأمنية والمدنية من أجل حماية مواطنيها والمقيمين والزوار. وتختصّ هذه المقالة بها من دون عموم دول الخليج التي طاولتها اعتداءاتٌ إيرانيةٌ واسعةٌ لخصوصيةٍ ملحوظةٍ في العلاقات بين الدوحة وطهران، فليست منسيةً الجهود السياسية والدبلوماسية التي بادرت إليها قطر من أجل تجنيب إيران ما تتعرّض له حالياً من عدوانٍ إسرائيليٍّ أميركي، على الرغم من الهجوم غير المنسي على الأراضي القطرية في أثناء حرب الصيف الماضي. وفي البال أن الشيخ محمد بن عبد الرحمن زار ظهران قبل خمسة أسابيع، وساعدت مباحثاته فيها على تهيئة أجواء التفاوض في مسقط بين الجانبين الأميركي والإيراني. كما أن الدوحة كانت وسيطاً نشطاً في غير ملفٍّ بين واشنطن وطهران، ومن ذلك تبادلهما سجناء قبل ثلاثة أعوام.
وبالمقدار الذي يُرفَض فيه هنا السفور الإيراني في الاعتداءات المتتالية على قطر وسيادتها ومنشآتها، يُؤخَذُ الموقف نفسه، في شأن الاستباحات المتتالية التي تقترفها المسيّرات والصواريخ والمقاتلات الإيرانية في السعودية والكويت والبحرين والإمارات وعُمان، سيّما وأن لا رصاصة انطلقت من أي موقع أميركي في أيٍّ من دول الخليج على إيران التي يحسُن أن تتوقّف عن الانتحار الذي تمارسه، وعن تطاولٍ ترتكبه على دول الجوار العربية الست، والذي يلزم أن يصير ما بعده، عندما تنتهي الحرب، ليس كما قبله، على غير صعيدٍ ومستوى.
