صياغة إعلامية "غير دقيقة" تُغير صورة الاقتصاد الجزائري!
Facts
2 weeks ago
share


وليد كويني ومريم سعود – الجزائر

في أيار/مايو 2025، نقلت وكالات وقنوات دولية وعربية خبراً، يقول إن الجزائر اقترضت ثلاثة مليارات دولار من البنك الإسلامي للتنمية. هذا العنوان الإخباري أربك الشارع الجزائري، وأشعل جدلاً سياسيّاً واسعاً، تمّ استغلاله في معارك إعلامية إقليمية. 

بين ليلة وضحاها، تحوّلت رواية “القرض” إلى مادة للسخرية والتشكيك في وعود رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون حول الاستقلال المالي، ووجدت بعض المنصات الإقليمية الفرصة لتصوير الجزائر كدولة مأزومة. لكنّ التدقيق في التفاصيل يكشف أن الحقيقة جاءت مختلفة تماماً؛ لا قروض وُقّعت، بل أُسيء فهم وتحريف مصطلح “تعاون استراتيجي”، لتتحوّل معلومة ناقصة أو غير دقيقة إلى تضليل واسع الانتشار.

يتتبع التقرير حالة اللغط التي أثارها التناول غير الدقيق لقضية القرض الجزائري، ويستعرض كيف يمكن لمعلومة غير دقيقة، أن تربك المشهد السياسي في بلد ما، في محاولة لدفع وسائل الإعلام نحو تحري الدقة فيما تتداوله وتقدمه للجمهور.


غموض المصطلح وأثره في دقة الرواية الإعلامية

جرى تداول الخبر، في 19 أيار/مايو 2025، عندما أجرت قناة النهار الجزائرية حواراً مع محمد سليمان الجاسر، رئيس مجموعة البنك الإسلامي للتنمية. تحدث الجاسر عن اتفاق مع الجزائر لتمويل مشروعات للسنوات الثلاث المقبلة، بقيمة تتجاوز ثلاثة مليارات دولار، مؤكداً أن “الجزائر في هذه المرحلة تعطي مثالاً جيداً على الإمكانات المتاحة”.

استخدم الجاسر في حديثه مصطلحات مثل “تمويل مشاريع” و”تمويلات تتجاوز ثلاثة مليارات دولار”، من  دون أن يوضح بشكل كافٍ طبيعة هذا التمويل كإطار تعاون وليس كقرض مباشر. هذا الغموض في التعبير أسهم في سوء التفسير اللاحق من قبل وسائل الإعلام.

في اليوم ذاته، تناقلت وسائل إعلام عربية ودولية أنباءً تفيد بأن الجزائر حصلت على قرض بقيمة ثلاثة مليارات دولار من البنك الإسلامي للتنمية. وبرز العنوان الأكثر انتشاراً عبر وكالة رويترز: “Islamic Development Bank to lend Algeria $3 billion for projects over next 3 years”، الذي تُرجم إلى العربية على النحو الآتي: “البنك الإسلامي للتنمية سيقرض الجزائر 3 مليارات دولار خلال السنوات الثلاث المقبلة”.

وأشارت رويترز في الخبر إلى أن رئيس البنك الإسلامي للتنمية، قال إن الجزائر من المتوقع أن تحصل على قروض بقيمة ثلاثة مليارات دولار خلال السنوات الثلاث المقبلة لدعم تنفيذ مشروعات تنموية رئيسية.

وأوضح رئيس البنك، في حديثه لقناة النهار الجزائرية، أن التمويل سيوجَّه إلى مشروعات من بينها تطوير السكك الحديدية، وذلك في إطار خطة الرئيس لربط المناطق الاقتصادية في البلاد.

الادعاء نفسه تكرر في وسائل إعلام عربية عديدة، مثل مواقع العربية والقدس العربي التي نشرت خبراً مماثلاً حول “قروض” ستُمنح للجزائر، في إشارة واضحة إلى دخول البلاد في دائرة المديونية الخارجية.

ويُقصد بالقرض المبلغ المالي الذي يُمنح لفترة محددة مع التزام المستفيد بسداده وفق شروط معينة، في حين أن التمويل يُعد مفهوماً أوسع؛ إذ يشمل مختلف الوسائل والآليات التي تُستخدم لتوفير الموارد المالية اللازمة لتنفيذ المشروعات أو دعم الأنشطة الاقتصادية.


حقيقة الاتفاق 

الجزائر لم توقع على أي اتفاقية قروض مع البنك الإسلامي للتنمية. ما جرى في الواقع هو توقيع إطار تعاون استراتيجي للفترة 2025 – 2027، يتيح للبنك تمويل مشروعات تنموية مقترحة من الجانب الجزائري بحد أقصى ثلاثة مليارات دولار، في حال رغبت الجزائر في ذلك بحسب محمد سليمان الجاسر، رئيس مجموعة البنك الإسلامي للتنمية.

 أوضح الجاسر لاحقاً في مؤتمر صحفي بتاريخ 22 أيار/مايو 2025 أن ما حصل هو “Country Economic Framework” أو إطار تعاون اقتصادي، قائلاً: “لم أقل إن هناك قروضاً، بل تحدثت فقط عن إطار تعاون يمكن أن يصل إلى ثلاثة مليارات دولار”، مضيفاً: “الدولة إذا أرادت استخدام جزء منه فهو متاح، وإذا لم ترغب يبقى في البنك”. وهنا يتضح أن الحديث يدور عن آلية اختيارية وليست قرضاً مباشراً للدولة.

رغم  التوضيح، استمرت منصات عديدة في إبقاء رواية “القرض” من دون تعديل، ما يعكس إشكالية منهجية في الممارسات الإعلامية، حيث يُترك الخبر المضلل لينتشر دون متابعة لاحقة.

تزامن تداول الخبر مع تصريحات متكررة للرئيس الجزائري عبد المجيد تبون حول الاستقلالية المالية للجزائر. ففي 13 أيار/مايو 2025، خلال زيارته لسلوفينيا، أكد أن الجزائر “البلد الأفريقي الوحيد الذي لا يملك مديونية خارجية”، مشيراً إلى أن ذلك يُعد “مؤشراً قويّاً على قوة الاقتصاد”.


أثر التداول غير الدقيق في الساحة الجزائرية

أثار الخبر جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية الجزائرية، خاصةً في ضوء التصريحات المتكررة للرئيس تبون حول عدم وجود مديونية خارجية، حيث اتجهت بعض القنوات الإعلامية إلى تحريف الخبر عن سياقه. قناة المغاربية مثلاً، استخدمت عنوان “3 مليار دولار حسب وكالة رويترز.. هل دخلت الجزائر مرحلة المديونية الخارجية؟“، وقدمت تحليلاً للوضع المالي والإشارة إلى الأزمة الاقتصادية في الجزائر انطلاقاً من الخبر السابق. 

في المقابل، خرج النائب البرلماني الجزائري خليفة للدفاع عن الموقف الرسمي، قائلاً: “هذا البنك بنك استثماري، وما رُوي في مواقع التواصل الاجتماعي قال الجزائر اقترض لا هذا بنك استثماري”، مؤكداً أن الأمر يتعلق في إطار مشروعات استثمارية، مضيفاً: “يعني بشراكة أو مرابحة بالطريقة الإسلامية ماهوش قرض”.

تسبب الخبر في قلق شعبي واسع، خاصةً بين المواطنين الذين اعتادوا على سماع تأكيدات حكومية حول الاستقلالية المالية، بالتزامن مع تصريح الرئيس تبون عن عدم وجود أي مديونية للجزائر. وظرت تساؤلات حول مصداقية التصريحات الرسمية بخصوص الوضع المالي للبلاد، والحاجة إلى توضيحات رسمية لإزالة اللبس حول طبيعة العلاقة مع البنك الإسلامي.


جانب من منشورات وتعليقات الجزائريين على قضية الاقتراض


لم يقتصر تقرير رويترز على إثارة الجدل الداخلي، بل امتد تأثيره إلى عشرات المنصات العربية، التي نقلت النص من دون الرجوع إلى مصادر محلية. 

بعض وسائل الإعلام الجزائرية، مثل الخبر وأخبار الجزائر، صححت الخبر لاحقاً ونقلت تصريحات التوضيح، لكن منصات أخرى تجاهلت ذلك تماماً، ما عزز استمرار السردية المضللة.

بعض وسائل الإعلام المغربية وقنوات إعلامية أخرى على خلاف مع الجزائر، استغلت هذا الخبر لتشويه صورة الجزائر الاقتصادية، فظهرت تقارير وتعليقات تسعى لتصوير الجزائر كدولة تعاني أزمة مالية، رغم أن الحقائق تشير إلى عكس ذلك.


منشور استغل القضية لتمرير رسائل سياسية حول الوضع الاقتصادي في الجزائر


كما أظهر تحليل وسم “الجزائر تقترض” عبر منصة Meltwater حجم التفاعل الكبير الذي أثاره الخبر المضلل. فقد جاءت الانطباعات سلبية بنسبة 74.8 في المئة مقابل 24.5 في المئة حيادية، بينما لم تتجاوز الإيجابية 0.7 في المئة، ما يعكس حالة استياء وانتقاد واسعة.

أما من حيث الانتشار والوصول، فقد بلغ إجمالي الوصول نحو 13.3 مليون خلال الفترة محل التحليل، بمعدل يومي يقارب 428 ألفاً، مع ذروة ملحوظة بين 19 و22 أيار/مايو، متزامنة مع الجدل حول تصريحات البنك الإسلامي للتنمية.

وعلى مستوى المواقع الجغرافية، تصدرت الجزائر التفاعل بـ37 في المئة، تلتها المغرب بـ22 في المئة، في حين برزت مشاركات أقل من دول مثل الولايات المتحدة، وكندا، وفرنسا، وسويسرا، إضافة إلى مصر وألمانيا وغيرهما. هذا التوزيع يوضح أن النقاش كان محليّاً بالدرجة الأولى، لكنه اكتسب بعداً إقليميّاً ودوليّاً بفعل إعادة النشر والاستغلال السياسي والإعلامي.



بيانات القياس وفق مؤشر المشاعر

بيانات القياس وفق مؤشر المشاعر


بيانات قياس حجم التفاعل وفق التوزيع الجغرافي


بيانات تُظهر نطاق وصول التوجّه (Trend Reach) عبر تويتر


يكشف هذا الخطأ، كيف أن اختلاف صياغة مصطلحات مالية يمكن أن يؤدي إلى تضليل واسع النطاق، حيث إن الخطأ لم يكن في وجود اتفاقية بين الجزائر والبنك، بل في توصيفها كقرض مباشر بدلاً من إطار تعاون؛ وهو خلط حمل دلالات سياسية واقتصادية حساسة أثرت في الرأي العام وأشعلت جدلاً داخليّاً وإقليميّاً.


أنجز هذا التقرير ضمن مشروعات تخرج “دبلوم أريج لتدقيق المعلومات 2025” للشبكة العربية لمدققي المعلومات (AFCN). 

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2025 © Yemeni Windows