بالصور القديمة والفيديوهات المضلّلة… كيف حاول جيش الاحتلال تكذيب المجاعة في غزة؟  
Facts
5 days ago
share


محمّد محسن ومنى علي


“كذبة التجويع”، و”مسرحية التجويع”، و”الادعاءات الكاذبة حول التجويع”، إلى جانب عبارات أخرى مشابهة، كانت مادة أساسية رفقة صور قديمة ضمن منشورات متوالية على موقع “إكس” (تويتر سابقاً)، للمتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي، والمتحدثة باسم الجيش الإسرائيلي إيلا واوية المعروفة بـ “الكابتن إيلا“. نستعرض في هذا التقرير أبرز الادعاءات التي نشرتها هذه الجهات في سبيل تكذيب التجويع الذي تمارسه إسرائيل على قطاع غزة منذ آذار/مارس 2025.


شماعة حماس  

في 4 آب/أغسطس 2025، نشر أفيخاي أدرعي على حسابه في منصة إكس صوراً لقياديين في حماس يقول فيها: “الجوع؟ في غزة إذا كان فهو ليس قدراً، بل قراراً”، في مزاعم منه بأنه إذا كان هناك مَن مارس التجويع أصلاً في غزة فإن الحمساويين “يسرقون الغذاء من أفواه الجياع ويملأون ثلاجتهم، ينهبون شاحنات الإغاثة ثم يظهرون علينا بلحية مشذبة وبطون ممتلئة، يتحدثون باسم الجائعين بينما هم يشبعون ويثمنون (يسمنون)”. 

لقطة شاشة لتغريدة أفيخاي أدرعي 


تتبّعنا إحدى هذه الصور التي يظهر فيها رئيس المكتب السياسي السابق لحركة حماس خالد مشعل، وهو على مائدة طعام، باستخدام أداة PimEyes للبحث عن الصورة. أظهرت النتائج أن الصورة قديمة ويرجع أقدم ظهور لها إلى عام 2008، وقد نسبها المصدر للقناة العاشرة الإسرائيلية التي استخدمت الصورة حينذاك للترويج للمقارنة بين حياة مسؤولي حماس في الخارج، وحياة أهالي غزة “البائسة”. 

وفي إحدى الصور الأخرى التي تضمنها المنشور، ظهر مشعل أيضاً حاملاً طبقاً من الطعام في تجمّع عام. وبعد البحث والوصول إلى المصدر الأصلي للصورة باستخدام أداة PimEyes، أظهرت النتائج أن الصورة قديمة وتعود إلى عام 2011، وتملكها apaimages التي نشرتها وفق سياقها الأصلي ضمن لقاء جمع مشعل في تشرين الأول/أكتوبر 2011، بالقاهرة، بعدد من الأسرى الفلسطينيين الذين أفرجت عنهم إسرائيل تمهيداً لترحيلهم إلى الخارج، وذلك في إطار صفقة تبادل أُطلق بموجبها سراح الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط. 

استمر أدرعي بالترويج للدعاية نفسها عبر خطاب ينكر المجاعة في غزة، باستخدام صور قديمة لقادة حماس خارج سياقها. وفي تغريدة له نشرها على حسابه في إكس في 5 آب/أغسطس 2025، كتب فيها “مش عارف أقرر…مين الجوعان فيهم أكتر؟ الكذب عندهم عقيدة”، مرفقاً التغريدة بوسم #كذب_التجويع وعدد من الصور المُجمعة، إحداها لخالد مشعل وهو جالس على آلة في صالة رياضة. 


لقطة شاشة لتغريدة أفيخاي أدرعي


بالبحث العكسي عن الصورة عبر محرك البحث غوغل، تبين أنها قديمة وتعود لعام 2013، نشرتها صحيفة The Sydney Morning Herald، ضمن مقال مصوّر التقت فيه المصوّرة الأسترالية “كيت جيراغتي” القيادي خالد مشعل في قطر، والتقطت له الصورة مرفقة بكابشن “خالد مشعل يتدرب في صالة الألعاب الرياضية الخاصة بأصدقائه في الدوحة، قطر”. 


لقطة شاشة لصورة مشعل في أول ظهور لها في صحيفة The Sydney Morning Herald

وكانت هذه الصورة قد استُخدمت ضمن المقال الذي سبقت الإشارة إليه في صحيفة Ynet.news الإسرائيلية عام 2014، لتمرير الدعاية ذاتها.  


أغسطس 2025 وحملة “تكذيب الجوع” 

منذ بداية آب/أغسطس 2025 وحتى نهايته، نشر كلّ من أدرعي والمتحدثة باسم الجيش الإسرائيلي المعروفة باسم “كابتن إيلا” عدداً من المنشورات التي تنفي وجود سياسة تجويع إسرائيلية في غزة. وتنوّع محتوى المنشورات، بين فيديوهات أشرف الجيش الإسرائيلي على تصويرها وإنتاجها قرب حزم مساعدات في المعابر المغلقة، بين غزة والأراضي المحتلة عام 1948، وصور كاريكاتورية وأخرى قديمة لقيادات من حركة حماس في الخارج.  


الادعاء الذي نشره حساب “كابتن آيلا”


وفي الرابع عشر من آب/أغسطس، وصفت الكابتن إيلا الحديث عن حملة للتجويع بأنه “كذبة أخرى” من أكاذيب حماس، وأضافت أن “الحقائق الميدانية والتحقيقات الطبية تؤكد أنه لا توجد أي مؤشرات على التجويع في غزة”. وباستثناء منشور واحد يعرض نتائج تحقيق أجرته “المؤسسة الأمنية” وفق تعبيرها، لم تنشر الكابتن إيلا أي تحقيقات تؤكد عدم وجود التجويع في القطاع، خصوصاً أن الحديث عن مؤشرات التجويع سابق لهذه الحملة الإسرائيلية. 



سبق ذلك عدد من التقارير الصادرة عن منظمات حقوقية تؤكد أيضاً، بناءً على شهادات موثقة من قلب قطاع غزة، أنّ الاحتلال يستخدم التجويع كسلاح ضد الفلسطينيين. 

لقطة شاشة لتقرير هيومن رايتس ووتش عن استخدام إسرائيل التجويع كسلاح حرب


أعلنت الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) في 25 تموز/يوليو 2025، أنها لم تجد أي دليل على سرقة حركة حماس للمساعدات الإنسانية التي تمولها الولايات المتحدة لغزة بطريقة ممنهجة. جاء هذا الإعلان بعد أن درس مكتب الوكالة 156 حالة تمّ فيها الإبلاغ عن سرقة أو فقدان هذه المساعدات، خلال الفترة من تشرين الأول/أكتوبر 2023 حتى أيار/مايو 2025، وتبين لهم أن الشكاوى لا تثبت وجود سرقة منظمة، وهو ما ينفي الدعاية الإسرائيلية بسرقة حماس للمساعدات.


التقارير الرسمية مقابل التضليل: في غزة تجويع ممنهج  

في 29 تموز/يوليو 2025، أكد التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي IPC Alert، الذي يضم خبراء في مجال انعدام الأمن الغذائي، أنّ “أسوأ سيناريو للمجاعة يلوح في الأفق في قطاع غزة”. سياق تأكيد التجويع استمر رغم حملات التضليل. وفي الأول من آب/أغسطس من العام نفسه، نشرت منظمة هيومن رايتس ووتش تقريراً دعت فيه إلى “الضغط على إسرائيل لإنهاء التجويع الجماعي”. 



لقطة شاشة لتصنيف IPC 


تقارير عديدة أممية وحقوقية كانت تحذر من خطر التجويع، من أبرزها ما أوردته منظمة العفو الدولية في 17 آب/أغسطس، حيث وثقت وعرضت شهادات تُظهر أن إسرائيل تنفذ “حملة مجاعة متعمدة” ضد سكان غزة، متّهمة السلطات بمنع وصول المساعدات، وبتصميم سياسات تضع المدنيين تحت ضغط التجويع. وبقيت التقارير على هذا المنحى من تأكيد التجويع، خلافاً للادعاء الرسمي الإسرائيلي، إلى 22 آب/أغسطس، حيث أعلنت منظمات تابعة للأمم المتحدة (برنامج الغذاء العالمي، ويونيسف، ومنظمة الفاو، ومنظمة الصحة العالمية) في بيان مشترك رسميّاً تأكيد المجاعة في غزة، استناداً إلى تحليل IPC، وأن أكثر من نصف مليون شخص “محاصرون في المجاعة” مع انتشار الجوع، وفقدان القدرة على الوصول إلى الغذاء، وارتفاع معدلات سوء التغذية والوفيات الممكن تفاديها. 



لقطة شاشة لبيان منظمات تابعة للأمم المتحدة يعلن رسميّاً وجود المجاعة في غزة 



الموت جوعاً بالمئات  

وقبل إعلان المجاعة رسميّاً في قطاع غزة من قبل الأمم المتحدة، كانت وزارة الصحة الفلسطينية في القطاع تصدر يوميّاً حصيلة جديدة للضحايا، من بينها أولئك الذين قضوا بسبب سوء التغذية والمجاعة. وبحسب الوزارة، سُجّلت وفاة 463 شخصاً نتيجة سوء التغذية والمجاعة، من بينهم 157 طفلاً، حتى تاريخ 11 من تشرين الأول/أكتوبر.


لقطة شاشة من قناة وزارة الصحة في غزة على تلغرام حول عدد الوفيات جوعاً في غزة



حملة التضليل التي أطلقها الجيش الإسرائيلي حول الموضوع، ظهر تأثيرها بشكل مباشر أو غير مباشر في تصريحات صحفية لمسؤولين أميركيين، وفي وسائل إعلام تبنت سردية المقارنة بين وضع قادة حماس في الخارج، ووضع أهالي القطاع، علماً أنه لا رابط بين الأمرين يمكنه تكذيب رواية التجويع.



Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2025 © Yemeni Windows