مسؤول بلا محاسبة يعني فاسد ما لم يثبت العكس
Civil
1 week ago
share

من بديهيات أي نظام سياسي في العالم: أن كل من يتولى مسؤولية عامة يجب أن يخضع للمحاسبة، حتى الملوك — في الدول التي ما زالت فيها ملكيات ولكن دستورية حقيقية — يخضعون لأشكال من الرقابة على أعمالهم.

وبالتالي، أي مسؤول يتولى منصبا عاما دون أن يخضع لأي شكل من أشكال الرقابة يصبح فاسدا بالضرورة ما لم يثبت هو العكس. العبء هنا على المسؤول نفسه، لا على المواطن، ولا على الصحفي، ولا على أي جهة خارجية؛ فالمواطن العادي لا يملك الوسائل ولا السلطة ولا المعلومات التي تمكنه من إثبات نزاهة المسؤول، لذا فإن أي منطق يقول إن “الدليل مطلوب قبل الادعاء بالفساد” هو منطق مقلوب، يضع العبء حيث لا يجب أن يكون.

لكن الواقع عندنا مختلف تماما؛ فغالبية المسؤولين لا يخضعون لأي رقابة فعلية، لا داخل مؤسساتهم، ولا عبر الأجهزة الرسمية المُكلّفة بالمحاسبة: لا الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة، ولا نيابة الأموال العامة، ولا الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، ولا البرلمان. جميع هذه الأجهزة معطلة، رغم أن لها موظفين ورواتب وميزانيات، لكنها عاجزة عن ممارسة دورها الحقيقي بسبب القرار السياسي الذي يمنعها من العمل، والسبب واضح: لو بدأت هذه الأجهزة بالعمل فعليا، فسيتم كشف فساد غالبية المسؤولين، وربما جميعهم. هل تتذكرون كيف رفض “مجلس القيادة الرئاسي” نشر تقرير جهاز المحاسبة الوحيد عن فساد بعض المؤسسات بحجة السرية؟

ولذلك، حين يسمع المواطن عن مسؤول متهم بالفساد ويصرخ: “أين الدليل؟”، عليه أن يسأل أولا: هل هذا المسؤول يخضع أصلا لأي شكل من أشكال الرقابة؟ هل توجد جهة رقابية تعمل بشكل مستقل وتصدر تقارير يمكن للصحفي الحصول عليها وتحليلها؟ إذا لم يكن هناك جهاز رقابي يعمل بالفعل، فمن الطبيعي أن لا يملك الصحفي أو المواطن وثائق “مرضية” للبعض، وليس ذلك دليلا على البراءة، بل دليل على غياب الآليات الأساسية للمحاسبة.

المنطق بسيط جدا: مسؤول بلا رقابة = فاسد بالضرورة ما لم يثبت العكس، بعبارة أخرى، ليس عليك أنت، ولا عليّ، ولا على أي صحفي، إثبات فساده؛ هو المسؤول عن إثبات نزاهته عبر مؤسسات حقيقية وشفافة، وهذا هو الأصل الذي تعترف به القوانين والدساتير في كل دول العالم المتحضرة.

قبل الحرب، كانت الأجهزة الرقابية تمارس دورها بشكل لا بأس به وتصدر تقارير، وكان بمقدور الصحفيين الحصول عليها لدعم قصصهم، مما جعل الصحافة تنتج محتوى مميزا بما في ذلك تحقيقات استقصائية مدعمة بالأدلة. أما اليوم، فلا يمكنك العثور حتى على معلومات عادية تتعلق ببيانات جهة حكومية، وإذا وجدتها فغالبا ما تكون مليئة بالتناقض والنقصان.

وبغض النظر عن الوضع الراهن الذي لا يسمح بالرقابة على أداء الحكومة أو سلطات الأمر الواقع في أي مكان، من المهم أن يدرك المواطن أن المسؤولية بلا محاسبة ليست الأصل في الوظيفة العامة، وأن هذا الوضع يُنتج فسادا بالضرورة، ولدينا أمثلة واضحة على أشخاص لم يكونوا يملكون شيئا قبل المنصب، ثم أصبحوا أثرياء خلال سنوات قليلة.

هنا يجب تفعيل التفكير النقدي والسؤال والشك، لا الدفاع الأعمى والتبرير المندفع لمجرد أن هذا المسؤول ينتمي إلى حزبنا أو جماعتنا، هذا ما يفترض أن ينعكس في وعي الناس على مواقع التواصل، ويتجلى في نقاشاتهم وردودهم على المسؤولين، طالما كان بمقدورهم التعبير دون خوف أو ضرر.

حين تنبري كمواطن للدفاع عن مسؤول فاسد لمجرد أن مواطنا فقيرا مثلك كتب عنه، ضع نفسك أمام سؤال محوري: هل هذا المسؤول يخضع لأي رقابة؟

إن كانت الإجابة “لا” — وهي غالبا كذلك — فلا داعي للسؤال أصلا، أنت لا تحمي بريئا، بل تدافع عن غياب الدولة، وعن ثقافة الإفلات من العقاب، وعن استمرارية الفساد.

وفي النهاية، ما نحتاج إليه ليس نقاشا فلسفيا عن الأدلة، بل إعادة الاعتبار للمحاسبة كقيمة أساسية في حياتنا السياسية، وغني عن القول إن المسؤول الذي يعمل بلا رقابة هو مسؤول فاسد بالقيمة المطلقة، ليس لأننا نتهمه، بل لأن غياب الرقابة يجعل كل قراراته وأفعاله موضع شكّ مشروع.

ولذلك، فالمواطن الواعي هو من يعرف أين تقع مسؤولياته وأين تقع مسؤوليات الدولة، ويصر على أن تكون المحاسبة حقا مؤسسيا وواجبا  مطلقا، لا خيارا ثانويا.

The post مسؤول بلا محاسبة يعني فاسد ما لم يثبت العكس appeared first on يمن مونيتور.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2025 © Yemeni Windows