في الحروب والصراعات، لا تقاس قوة المؤسسات بما تقوله عن نفسها، بل بما تفعله عندما تتعرض للاختبار.
وجريمة اغتيال الشهيد العميد يحيى وحيش كانت اختبارًا حقيقيًا وصعبًا،
فالمستهدف -هنا- قائد الفرقة الأولى، وأحد أبرز رجال المقاومة الوطنية في الساحل الغربي.
كان واضحًا أن من خططوا للجريمة أرادوا أكثر من مجرد اغتيال رجل؛ أرادوا توجيه ضربة معنوية، وإرباك المشهد الأمني، وإيصال رسالة مفادها أن يد الإرهاب قادرة على الوصول إلى أي هدف.
وبالتوازي كان هنالك من يتخادم مع المجرمين، من خلال بث الشكوك، وإطلاق سيول من الاتهامات والتأويلات...
ما لم يكن في حسبان المجرمين ومن يقف خلفهم أو يتخادم معهم أن الرد سيأتي بهذه السرعة، وبهذه الاحترافية، وبهذا المستوى من الحسم.
17 ساعة -فقط- كانت كافية للرجال الأبطال، الذين سارعوا لإغلاق محيط مسرح الجريمة، وجمع الأدلة، وتحليل كاميرات المراقبة، وتتبع الخيوط، وإغلاق المنافذ، وتشديد الرقابة البرية والبحرية، ومطاردة الجناة، ثم الإطاحة بالمنفذين الرئيسيين وهم يحاولون الفرار عبر البحر.
17 ساعة -فقط- كانت كافية لإسقاط الرهانات كلها؛
فمن خططوا للجريمة كانوا يعولون على الوقت، وكانت أوهامهم تسول لهم بأن الساعات الأولى ستمنحهم فرصة الهروب وإخفاء الآثار وطمس الأدلة وإرباك المشهد..
غير أن ما حدث كشف عن حقيقة بالغة الأهمية:
في الساحل الغربي توجد منظومة أمنية واستخباراتية يقظة، تمتلك القدرة على التحرك السريع، وتكامل المعلومات، وتحويل المعطيات الأولية إلى نتائج ميدانية خلال وقت قياسي.
العملية النوعية -التي قادت إلى ضبط منفذي الجريمة الأساسيين- قدمت دليلًا عمليًا جديدًا على كفاءة الأجهزة الأمنية والاستخباراتية والعسكرية، التي عملت بتناغم كامل، بدءًا من تأمين مسرح الجريمة، مرورًا بالتحري وجمع المعلومات، وصولًا إلى القبض على الجناة قبل أن يتمكنوا من الإفلات.
نعم تمكن المجرمون من استغلال حالة الطمأنينة التي يعيشها المجتمع المحلي، ونفذوا الجريمة، واعتقدوا أنهم نجحوا، لكن عيون الأبطال لم تترك لهم طريقًا يهربون منه بجريمتهم، بل رصدت كل حركة ونفس، حتى وصلت إلى المنفذين أنفسهم في خلال سبع عشرة ساعة.
ونعم وجد المتربصون والمتخادمون مع الجريمة والمجرمين فرصةً لممارسة الزيف والتدليس والتشكيك وتوزيع الاتهامات زورًا، لكن ما كشفته نتائج التحقيق الأولية كان عصاة موسى، التي تلقف إفك الأفاكين.
ما أعلنته اللجنة المكلفة بالتحقيق لم يتوقف عند إدانة المتهمين بالجريمة التي اعترفوا بارتكابها، بعد مواجهتهم بالأدلة المادية القاطعة، بل يتجاوز ذلك إقرار المتهمين بتنفيذ الجريمة، لصالح مليشيا الحوثي الإرهابية، وتأكيد ارتباطهم المباشر بمليشيا، وتلقيهم التوجيهات والدعم منها...
وهذه الحقائق تضع ألف علامة استفهام حول أولئك النفر من المتنطعين الذين سارعوا إلى منح صكوك براءة للحوثي ومحاولة خلط الأوراق بتوزيع الاتهامات جزافا، عقب ارتكاب الجريمة مباشرة؛ لتأتي اعترافات المنفذين وتضعهم موضع التهمة المباشرة بالعمل لصالح مليشيا الحوثي ومساندة جرائمها وأدواتها والتماهي مع أجندتها..
نعم إن جريمة استهداف العميد وحيش لم تكن حادثًا جنائيًا، ولا خلافًا شخصيًا، ولا واقعة غامضة كما حاول البعض أن يوحي منذ اللحظات الأولى... بل هي جريمة إرهابية منظمة، استهدفت قائدًا عسكريًا معروفاً، في إطار مشروع عدائي معروف، لا يتوقف عن استهداف اليمنيين وأمنهم واستقرارهم.
غير أن الرسالة التي أراد منفذو الجريمة إيصالها انقلبت عليهم بالكامل.
أرادوا أن يقولوا إنهم قادرون على الوصول. فجاء الرد بأن الأجهزة الأمنية والاستخبارية قادرة على الوصول أسرع.
أرادوا أن يصنعوا الخوف. فكان الرد مزيدًا من اليقظة والتماسك.
أرادوا أن يثبتوا قدرتهم على التخفي. فانتهى بهم الأمر مكبلين في قبضة الأبطال قبل أن يكتمل اليوم التالي للجريمة.
أما الرسالة إلى رفاق الشهيد العميد يحيى وحيش، وإلى جميع أبطال المقاومة الوطنية وإلى كل الجمهوريين، فهي رسالة واضحة ومباشرة:
إن دماء الشهداء لا تضيع.
وإن المؤسسة التي قدمت الشهداء قادرة على حماية إرثهم والثأر لهم بالقانون والعدالة.
وإن استهداف القادة لا يضعف الصفوف، بل يزيدها صلابة وإصرارًا.
فالشهيد يحيى وحيش لم يكن مجرد قائد ميداني، بل رمزًا من رموز المعركة الوطنية، ورجلًا قضى سنوات من عمره في مواجهة المشروع الحوثي، ولذلك فإن أفضل وفاء له لا يكون بالبكاء على رحيله، بل بمواصلة الطريق الذي سار فيه.
وفي المقابل، فإن الرسالة إلى المجرمين ومن يقفون خلفهم يجب أن تكون أشد وضوحًا:
قد تتمكنون من تنفيذ جريمة. لكنكم لن تتمكنوا من الهروب.
وقد تختارون الزمان والمكان والأسلوب. لكنكم لن تختاروا المصير.
فالساحل الغربي ليس أرضًا سائبة، وليس ساحة مفتوحة للخلايا الإرهابية أو للعابثين بالأمن.
ومن تسول له نفسه العبث بأمن الناس أو استهداف رجال الدولة أو القوات المسلحة، فليتذكر أن 17 ساعة فقط كانت كافية للوصول إلى قتلة قائد بحجم العميد يحيى وحيش.
وإذا كانت هذه هي النتيجة في قضية بهذا الحجم والتعقيد، فإن الرسالة إلى كل مجرم محتمل هي أن يد العدالة أقرب إليه مما يظن.
أما أولئك الذين تسابقوا منذ اللحظات الأولى إلى إطلاق الاتهامات، وصناعة الروايات، وتوزيع الأحكام قبل أن يبدأ التحقيق، فإن القضية قدمت لهم درسًا بليغًا، مفاده أن الحقيقة لا تُستخرج من الشائعات، ولا تُبنى على الانفعالات، ولا تُصنع في غرف التحريض أو على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي.
الحقيقة يصنعها التحقيق المهني، والدليل، والعمل المؤسسي المنظم.
وقد أثبتت هذه القضية أن بعض الأصوات كانت أسرع في إطلاق الاتهامات من الجناة أنفسهم في الهروب، وأن كثيرًا من الروايات التي جرى الترويج لها سقطت أمام الوقائع والنتائج التي توصلت إليها لجنة التحقيق.
لقد خسرنا قائدًا شجاعًا، وهذه خسارة لا يمكن التقليل من شأنها.
لكننا في المقابل ربحنا دليلًا جديدًا على أن الساحل الغربي فيه رجال يسهرون على أمنه، وأجهزة قادرة على كشف المجرمين، ومؤسسات لا تسمح بأن يتحول دم الشهداء إلى مادة للفوضى أو الشائعات.
وسيبقى الرقم الأبرز في هذه القضية شاهدًا على ذلك كله:
17 ساعة فقط... كانت كافية لإفشال الجريمة، وكشف الجناة، وتوجيه رسالة مدوية إلى الأعداء والأصدقاء على حد سواء:
أمن الساحل الغربي وراءه رجال يعرفون كيف يحمون الأرض، ويصونون الدم، ويطاردون المجرمين حتى آخر الطريق.