فيصل أمين أبوراس يكتب: المسؤولية التاريخية وإنقاذ سفينة الوطن
كتابات
منذ 4 ساعات
مشاركة

 

فيصل أمين أبوراس
من غير المنطقي تصوير قائد أنصار الله على أنه لا يعلم بما يجري من فساد أو ظلم جماعته أو تدهور في أحوال الناس، فهو بحكم موقعه ونفوذه في قلب الأحداث ومطلع. كما أن الادعاء جهله لها لا ينسجم مع طبيعة السلطة والمسؤولية.

في خضم ما يعيشه اليمن من أزمات متراكمة وصراعات ممتدة ومكلفة، تبرز حاجة ملحة إلى قراءة المشهد بقدر عالٍ من الموضوعية والإنصاف والمسؤولية، بعيدًا عن الانفعالات والأحكام المسبقة. ومن مقتضيات الإنصاف أن ندرك أن قائد أنصار الله، خلافًا لما يروَّج أحيانًا، يوجد في قلب الأحداث ومطلع على تفاصيلها وتعقيداتها. أما الزعم بأنه معزول عن الواقع أو غائب عن إدراك حقيقة الأوضاع المعيشية والاقتصادية التي يعانيها الناس، فلا ينسجم مع منطق السياسة ولا مع طبيعة السلطة والنفوذ والمسؤولية.

أنا وكثيرون نختلف معه اختلافًا جوهريًا وعميقًا في الفكر والعقيدة والسياسة، وفي مفهوم الدولة الوطنية الحديثة، وفي فهم الجمهورية والديمقراطية، وفي طبيعة العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وفي الإيمان بأن المواطنين متساوون في الحقوق والواجبات، وأن المرجعية العليا يجب أن تكون لدستور نابع من الإرادة الشعبية الحرة. ويصل هذا الاختلاف إلى حدود التباين الكامل في الرؤية والمشروع.

غير أن الاختلاف، مهما اتسعت مساحته، لا ينبغي أن يقود إلى التقليل من عقلانية الطرف الآخر أو افتراض جهله بالواقع الذي يعيشه الناس. فالأمم لا تُدار بالإنكار، ولا تُبنى على إسقاط الخصوم معنويًا، بل على فهمهم كما هم، لا كما نرغب أن يكونوا.

إن من يراقب المشهد اليمني يدرك أن الرجل، شأنه شأن غيره من المنخرطين في المشهد اليمني المثقل بالدماء والمهدد للمصير، ومن مراكز القوى التي أسهمت بصورة أو بأخرى في إيصال البلاد إلى ما آلت إليه، يواجه أيضًا واقعًا بالغ التعقيد وتشابكًا هائلًا في المصالح والصراعات الداخلية والخارجية. وربما يجد نفسه، كما يجد كثير من الفاعلين اليمنيين، أمام خيارات شديدة الصعوبة، حيث تبدو المآلات المؤلمة حاضرة في أكثر من اتجاه. وكأن الجميع يقف في وسط نهر من الدماء؛ ينظر إلى الخلف فيرى سنوات طويلة من الحروب والانقسامات والآلام، وينظر إلى الأمام فلا يجد طريقًا واضحًا للخلاص، خصوصًا عندما تتداخل العوامل المحلية والإقليمية والدولية وتتقلص قدرة الفاعلين على التحكم الكامل بمسار الأحداث.

لكن إدراك حجم التعقيدات لا يعفي أحدًا من المسؤولية، بل يضاعفها. فكلما كانت القدرة على التأثير أكبر، كانت المسؤولية الوطنية والأخلاقية أكبر كذلك. واليوم لم يعد اليمن يحتمل مزيدًا من الاستنزاف أو التشظي أو إدارة الصراع بمنطق الغلبة. فما تبقى من الوطن يستحق أن يكون محل عناية الجميع، وأن تتقدم مصلحة الشعب على الحسابات الضيقة والمشروعات المتصارعة.

لقد دفعت اليمن أثمانًا باهظة من دماء أبنائها ومستقبل أجيالها ووحدة نسيجها الاجتماعي. وأصبح الواجب الوطني يفرض على جميع القوى السياسية، وفي مقدمتها القوى المؤثرة على الأرض، أن تعيد النظر في مسارات الصراع، وأن تبحث عن نقاط الالتقاء الممكنة بدلًا من توسيع دوائر الخصومة والقطيعة.

إن سفينة الوطن، ومنذ اثني عشر عامًا، تتعرض لرياح عاتية من كل اتجاه، ولم يعد هناك متسع لإغراقها أكثر مما غرقت. وإذا استمر الجميع في إدارة الخلافات بعقلية المنتصر والمهزوم، فإن الخسارة لن تكون لطرف دون آخر، بل لوطن بأكمله. أما إذا انتصرت الحكمة، وغلبت لغة السياسة على لغة السلاح، وتم الاحتكام إلى إرادة اليمنيين ومصالحهم العليا، فسيبقى الأمل قائمًا في إنقاذ السفينة قبل أن تبتلعها أمواج الانقسام.

واليمن، بكل ما يحمله من تاريخ وحضارة وإنسان، أكبر من جميع المشاريع المؤقتة، وأبقى من جميع الصراعات العابرة. وسيظل الخلاص الحقيقي مرهونًا بقدرة أبنائه على تقديم الوطن على ما سواه، والانتقال من إدارة الأزمة إلى صناعة المستقبل. فالأوطان لا ينقذها المنتصرون في الحروب بقدر ما ينقذها الحكماء القادرون على إيقافها.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية