الذكاء الاصطناعي... تهديد وسائل الإعلام وحقوقها وحقيقتها
عربي
منذ 58 دقيقة
مشاركة
يبني الذكاء الاصطناعي جداراً بين وسائل الإعلام والجمهور، مهدّداً أدوار الصحافة وإيراداتها واستمرارها، وبالتالي يهدد الحقيقة نفسها. أطلقت شركات الذكاء الاصطناعي ما تسميهم بوكلاء الذكاء الاصطناعي، وهي روبوتات قادرة على توليد المحتوى وأداء المهام مكان المستخدم، ومن بين ما تستطيع فعله تقديم ملخصات حول الأحداث والقضايا والأشخاص في الأخبار، من دون حاجة إلى قراءة المصادر الأصلية لوسائل الإعلام التي تصنع هذه الأخبار، ما يعني خطراً محدقاً بمستقبل الصحافة وحق الجمهور في الحقيقة. في خريف العام الماضي، كشفت شركة أوبن إيه آي النقاب عن ميزة جديدة في باقتها المدفوعة تدعى "تشات جي بي تي بلوس"، والتي تبدأ يوم المستخدم بملخص صباحي مبني على محادثاته وتعليقاته وبيانات من تطبيقات أخرى يستخدمها. نموذج آخر هو "هوكس"، التطبيق المجاني الذي يعمل بتقنية الذكاء الاصطناعي، ليحوّل الجدول اليومي والرسائل الإلكترونية، والاهتمامات الإخبارية، إلى بودكاست تفاعلي مخصص. ثم هناك "غوغل"، التي تقدّم خدمة "وضع الذكاء الاصطناعي"، الذي يجيب عن أسئلة المستخدم عبر ملخصات بدلاً من الاكتفاء بتقديم روابط في نتائج البحث يمكن النقر عليها. هذا يعني أن الذكاء الاصطناعي أمسى الوسيط بين الجمهور ووسائل الإعلام، ويعني أن قارئ المواقع ليس بشرياً، بل هو روبوت، ويعني أن الجمهور لن يشاهد الإعلانات في الموقع، وبالتالي لن يكسب الموقع الإيرادات لدفع الأجور لاستمرار الصحافة الجادة، كما يعني أن وسائل الإعلام لن تملك سيطرة على مضمون هذه الملخصات، ولا المعلومات حول من يقرأ ويتفاعل معها، وبالتالي لا تستطيع صنع محتوى يناسب حاجة الجمهور الحقيقية. ووفقاً لتقرير صادر عن معهد رويترز، يتوقع أكثر من 75% من المسؤولين التنفيذيين في صناعة الأخبار أن يكون لهذا الجيل الجديد من التطبيقات الآلية تأثير "كبير" أو "كبير جداً" في ناشري الأخبار. وهي مخاوف تبدو منطقية بالنظر إلى أن الناشرين يتوقعون انخفاضاً متوسطه 43% في الزيارات القادمة من محركات البحث خلال السنوات الثلاث المقبلة، بينما تستمر شركات الذكاء الاصطناعي في استخدام محتوى وسائل الإعلام من دون موافقة أو إفصاح أو ذكر للمصدر أو تعويض. من أجل تغيير هذا الوضع، اختارت وسائل الإعلام طرقاً مختلفة، بعضها رفع دعاوى قضائية ضد شركات الذكاء الاصطناعي، وأبرزها أول قضية أمام محكمة العدل الأوروبية، أعلى محكمة في الاتحاد الأوروبي، بشأن ما إذا كانت نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي تنتهك حقوق النشر؛ إذ أحالت محكمة بودابست المحلية إلى محكمة العدل الأوروبية قضية تتهم فيها مؤسسة إعلامية مجرية نموذج الذكاء الاصطناعي من "غوغل" بسرقة مقالاتها الإخبارية من دون إذنها. وهناك وسائل إعلام استسلمت لمنطق السوق، وعقدت صفقات مالية مع شركات الذكاء الاصطناعي، بينما أخرى اختارت طريق التقاضي، ومن أبرزها دعاوى "نيويورك تايمز "، و"وول ستريت جورنال"، و"نيويورك بوست" ضد "بربليكسيتي"، وقضايا ثماني صحف يومية أميركية ضد "أوبن إيه آي" و"مايكروسوفت" بتهمة "اختلاس ملايين" المقالات الإخبارية المحمية من دون إذن أو مقابل. وقد سبقت "نيويورك تايمز" هذه الصحف إلى مقاضاة "أوبن إيه آي" و"مايكروسوفت" في ديسمبر/كانون الأول 2023. بعض وسائل الإعلام تحارب التكنولوجيا بالتكنولوجيا. مثلاً شرعت شركة توصيل المحتوى "كلاودفلير" في حظر البرامج التي تستخدمها شركات الذكاء الاصطناعي للحصول على محتوى المواقع. وبروتوكولات مثل MCP وSkill.md، اللذين طورتهما شركة الذكاء الاصطناعي "أنثروبيك"، ومبادرات التعاون المفتوحة، تمكّن وسائل الإعلام من التحكم أكثر في ما يصل إلى وكلاء الذكاء الاصطناعي، وشروط الوصول إليها، وكيفية عرضها، وكيفية تعويض الناشرين. كذلك توفّر بيانات هذه الأدوات فهماً أعمق للقارئ، لأن الأخير أكثر حميمية وصراحة مع الروبوتات مقارنة مع عمليات البحث في "غوغل" مثلاً، هذا يعني تقديم محتوى صحافي يناسب الجمهور أكثر. لكن هذه البروتوكولات تحتاج اعتمادها من وسائل الإعلام وشركات الذكاء الاصطناعي. هذا يعني لوسائل الإعلام مزيداً من الاستثمارات التقنية، بينما لا تزال شركات الذكاء الاصطناعي قادرة على مصّ المحتوى من المواقع من دون أخذ إذن أحد. مثلاً، تقدّم "ويكيبيديا" واجهة مدفوعة للحصول على البيانات منها، لكن شركات الذكاء الاصطناعي ظلّت تجمع محتواها من دون مقابل، بما وضع ضغطاً كبيراً على بنيتها التحتية. ولم تبدأ "ويكيبيديا" في الحصول على اتفاقيات ترخيص إلا بعد أن فضحت هذه الممارسات علناً. وكيل الذكاء الاصطناعي يقرأ بدل المستخدم ويعيد صياغة المحتوى قد تساعد وحدة الصف الصحافي في تغيير هذا الوضع. في بريطانيا، أُنشئ تحالف "معايير حقوق استخدام الناشرين" لمقاومة تجاوزات الذكاء الاصطناعي. وفي ألمانيا، يقترح تحالف من المؤسسات الإخبارية بديلاً يمنح وسائل الإعلام السيطرة الكاملة على محتواها ويوضح حقوقها. وفي إندونيسيا، يسعى أكثر من 500 عضو في جمعية الإعلام الإلكتروني الإندونيسية إلى بذل جهد جماعي مماثل لضمان التزام شركات الذكاء الاصطناعي بدفع مستحقاتها. وقارئ هذا المقال وباقي القراء قد يكون لهم تأثير مهم لإصلاح الوضع. وأظهر استطلاع رأي حديث أُجري لصالح "نيوز ميديا كندا"، وشمل أكثر من ألفين وأربعمائة كندي بالغ، أن 71% منهم يوافقون على ضرورة اتخاذ حكومة بلادهم إجراءات لمنع شركات الذكاء الاصطناعي من الاستيلاء على التغطية الإخبارية وإعادة صياغتها من دون إذن أو تعويض. وكل تغيير لصالح الصحافة سيكون لصالح الجمهور، ولصالح الحقيقة.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية