الجزائر تُطلق ملامح ميزانية 2027... إنفاق أكثر حذراً ورهان على النمو
عربي
منذ ساعة
مشاركة
في خطوة تعكس سعي السلطات الجزائرية إلى إعادة ضبط السياسة المالية للدولة وسط تحولات اقتصادية وجيوسياسية متسارعة، وجّهت وزارة المالية رسالة تأطيرية إلى الآمرين بالصرف تضمنت الخطوط العريضة لتحضير مشروع قانون المالية وميزانية الدولة لسنة 2027، واضعة بذلك معالم مرحلة جديدة تقوم على ترشيد النفقات، وتعزيز الاستثمار المنتج، ودعم القطاعات ذات الأولوية الاجتماعية والاقتصادية. وكشفت الرسالة الرسمية الصادرة عن وزير المالية بتاريخ 19 مايو/أيار 2026، والتي تحصل "العربي الجديد" على نسخة منها، عن توجه حكومي يهدف إلى تحقيق توازن دقيق بين الحفاظ على الطابع الاجتماعي للدولة من جهة، وضمان استدامة المالية العمومية في ظل التقلبات الاقتصادية العالمية من جهة أخرى. سياق دولي ضاغط وتحذيرات من تقلص هوامش المناورة وتأتي الرسالة في ظرف دولي وصفته وزارة المالية الجزائرية بأنه يتسم بتوترات جيوسياسية وتجارية مستمرة، إلى جانب اضطرابات متزايدة في سلاسل التموين العالمية وتقلبات أسواق الطاقة والمواد الأولية والغذائية. وترى الحكومة أن هذه المعطيات تفرض على الجزائر تسريع قدرتها على التكيّف مع التحولات الاقتصادية العالمية، مع الحفاظ على القدرة الشرائية للمواطنين ومواصلة الاستثمار العمومي، لكن ضمن مقاربة تقوم على "الصرامة في التسيير" وتقليص النفقات غير الضرورية. وشددت وزارة المالية على أن إعداد الميزانية المقبلة يجب أن يجري وفق منطق "الأداء والفعالية"، بما يضمن توجيه الموارد نحو المشاريع ذات الأثر الاقتصادي والاجتماعي المباشر. ومن أبرز الرسائل التي حملتها الرسالة الرسمية، تأكيد السلطات ضرورة تسريع تنويع الاقتصاد الوطني وتقليص الاعتماد على المحروقات مصدراً رئيسياً للإيرادات، وتضمنت إعطاء أولوية خاصة لدعم القطاعات المنتجة خارج قطاع الطاقة، وتشجيع الصناعة المحلية والمؤسسات الناشئة، إلى جانب مواصلة إنجاز المشاريع الهيكلية الكبرى، خاصة في قطاع المناجم، كما ركزت الرسالة على تحسين مناخ الأعمال واستكمال برامج الاستثمار الجاري إنجازها، في محاولة لدفع النمو الاقتصادي وخلق مصادر جديدة للثروة ومناصب الشغل. الأمن الغذائي والمائي في صدارة الأولويات ووضعت الحكومة الجزائرية ملفي الأمن الغذائي والأمن المائي ضمن أبرز أولويات ميزانية 2027، في ظل التحديات المناخية والضغوط المتزايدة على الموارد الطبيعية، ولتحقيق ذلك تحدثت الرسالة، عن مواصلة دعم المشاريع الفلاحية الكبرى، خاصة في مناطق الجنوب، مع توسيع الأراضي المسقية وتحسين قدرات التخزين والإنتاج، إضافة إلى تطوير الشعب الاستراتيجية ورفع مردودية الحبوب. كما تضمنت الخطة الحكومية تسريع إنجاز السدود ومحطات تحلية مياه البحر وربط شبكات التوزيع وصيانتها، في إطار استراتيجية ترمي إلى تأمين الموارد المائية وتقليل آثار الجفاف. أما في الشق الاجتماعي، أكدت وزارة المالية استمرار دعم قطاعات الصحة والتربية والتعليم العالي والتكوين المهني، مع التركيز على تحسين جودة الخدمات العمومية ورقمنة الإجراءات الإدارية، فيما شددت الرسالة على ضرورة تحديث الإدارة العمومية وعصرنة مصالح الدولة، عبر تسريع التحول الرقمي وتأمين الأنظمة المعلوماتية وتحديث وسائل العمل. السكن والدعم الاجتماعي مستمران ورغم الدعوات إلى ضبط النفقات، أكدت الحكومة تمسكها بمواصلة برامج الدعم الاجتماعي والسكن بمختلف صيغه، بما في ذلك السكن الاجتماعي والريفي والترقوي المدعم، وهو ما ينسجم مع الطابع الاجتماعي للبلاد الموثق بنصوص دستورية، كما شددت على الحفاظ على دعم المواد الأساسية واسعة الاستهلاك وأجهزة المساعدة والتضامن لفائدة الفئات الهشة، في محاولة لتخفيف آثار التضخم وحماية القدرة الشرائية للمواطنين. وتضمنت المراسلة أيضاً تعليمات دقيقة للآمرين بالصرف بشأن كيفية إعداد الميزانيات القطاعية، حيث طالبت الوزارة بضرورة ترشيد النفقات الجارية وتفادي التبذير، ترتيب المشاريع والعمليات حسب الأولوية والجدوى، إعطاء الأولوية لاستكمال المشاريع التي تجاوزت نسبة إنجازها 70%، إلى جانب تأجيل أو حذف النفقات غير المبررة واعتماد مقاربة الميزانية الموجهة نحو النتائج والأداء. كما شددت على عدم تسجيل مشاريع جديدة قبل التأكد من توفر الموارد البشرية والتقنية والمالية اللازمة لاستكمال المشاريع القائمة. ويرى مختصون أن هذه التوجيهات تعكس رغبة الحكومة في الحد من ظاهرة المشاريع المتعثرة وتقليص التكاليف الناتجة عن سوء التخطيط أو تشتت الاعتمادات المالية. نحو ميزانية أكثر واقعية ومن خلال مضمون الرسالة التأطيرية، تبدو السلطات الجزائرية متجهة نحو إعداد ميزانية أكثر تحفظًا وواقعية، تقوم على التحكم في النفقات وربط التمويل بالأهداف والنتائج، بدل الاعتماد على التوسع الكبير في الإنفاق. إذ تكشف الرسالة عن توجه لإرساء ثقافة جديدة في إدارة المال العام، تعتمد على تقييم الأداء وقياس الأثر الاقتصادي والاجتماعي للمشاريع العمومية. وبينما تراهن الحكومة على الاستثمار والتنويع الاقتصادي لتحفيز النمو، يبقى التحدي الأكبر مرتبطاً بقدرة الاقتصاد الوطني على خلق موارد مستدامة خارج قطاع المحروقات، في ظل بيئة دولية غير مستقرة وتزايد الضغوط الاجتماعية الداخلية. ومع اقتراب موعد إعداد مشروع قانون المالية لسنة 2027، تبدو الجزائر أمام مرحلة مالية دقيقة، تحاول خلالها تحقيق معادلة صعبة: الحفاظ على الطابع الاجتماعي للدولة، دون الإخلال بتوازنات المالية العمومية.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية