عربي
شيئاً فشيئاً، تتّضح فصول عملية رصد فيروس هانتا وتحديده على متن السفينة السياحية "إم في هونديوس" التي تشغّلها شركة "أوشن وايد إكسبيديشنز" الهولندية المتخصّصة في الرحلات البحرية الاستكشافية، في وقت سابق من الشهر الجاري. وقد صار ذلك ممكناً، بعد أن هدأ العالم بعض الشيء، على أثر تطمينات منظمة الصحة العالمية التي أوضحت ماهية هذا الفيروس حيواني المنشأ المرصود ومدى خطورته، مستبعدةً جائحة محتملة شبيهة بأزمة كورونا الوبائية التي أرّقت العالم وخلّفت خسائر هائلة في الأرواح وفي كذلك على الصعيد الاقتصادي، مع العلم أنّ تداعياتها الصحية وغيرها ما زالت تُسجَّل.
في هذا الإطار، تابعت وكالة أسوشييتد برس أحد تلك الفصول في جنوب أفريقيا. ونقلت عن الخبيرة في شؤون الأمراض المعدية هناك لوسيل بلومبرغ كيف أنّها عند تفقّدت بريدها الإلكتروني، صباح يوم الجمعة في الأوّل من مايو/ أيار الجاري، في أثناء احتفال بلادها بعيد العمّال، وجذبت انتباهها رسالة عاجلة. كان زميل لها يقيم في المملكة المتحدة قد كتب لها بشأن راكب على متن سفينة سياحية تبحر آلاف الأميال في المحيط الأطلسي، جرى إجلاؤه ونقله إلى مستشفى في جوهانسبرغ، علماً أنّه يعاني من التهاب رئوي مشتبه به، في حين أصيب ركاب آخرون بالإعياء.
وطلب الزميل بلومبرغ، الذي يرصد الأمراض في الأراضي البريطانية النائية جنوبي المحيط الأطلسي، منها متابعة الراكب المذكور، الذي أُجلي من سفينة "إم في هونديوس" الهولندية في واحدة من تلك الأراضي؛ جزيرة أسينشن. وهكذا وجدت بلومبرج نفسها، مع خبراء آخرين في المعهد الوطني للأمراض المعدية بجنوب أفريقيا، في خضمّ سباق لتحديد ما رُصد على متن السفينة السياحية.
وقالت لوسيل بلومبرغ لوكالة أسوشييتد برس: "على الرغم من أنّ ذلك اليوم كان عطلة رسمية، فقد تحرّكنا؛ تحرّكنا بسرعة كبيرة"، وأضافت: "كان اليوم مزدحماً. كان ثمّة محادثات كثيرة. كانت ثمّة مناقشات عبر شبكة الإنترنت، وذلك بالتزامن مع إجراء اختبارات مخبرية". وفي غضون 24 ساعة، حدّد الخبراء سبب مرض الراكب بأنّه فيروس هانتا النادر الذي ينتقل عبر القوارض.
وكان الراكب، وهو رجل بريطاني متقدّم في السنّ، قد وصل إلى مستشفى خاص في جوهانسبرغ قبل أيام، وكان مريضاً جداً، في حين أنّ العاملين الصحيين لم يكونوا متأكّدين من سبب حالته الصحية. وعندما أُجلي من السفينة، كان آخران من ركاب على متن سفينة "إم في هونديوس"، رجل وزوجته من الجنسية الهولندية، قد توفيا بالفعل (الرجل على متن السفينة في 11 إبريل/ نيسان 2026 والمرأة بعد إجلائها منها في 16 إبريل منه)، من دون أيّ قلق يُذكَر. وقد أبلغت السلطات الصحية في جزيرة أسينشن منظمة الصحة العالمية بشأن بؤرة مرضية على متن السفينة، لافتةً إلى احتمال التهاب رئوي.
في البداية، ظنّت بلومبرغ وزملاؤها أنّ الأمر ربّما يتعلّق بعدوى الفيلقيّة؛ نوع خطر من الالتهابات الرئوية تتسبّب فيه بكتيريا "ليجيونيلا"، أو ربّما تكون حالة إنفلونزا طيور، وأضافت: " تواصلت مع زملائي المتخصّصين في الأمراض المعدية، وعقدنا اجتماعاً وناقشنا الأمور المعتادة"، مشيرةً إلى أنّ "بكتيريا ليجيونيلا تنتشر في الفنادق وعلى متن السفن السياحية وكذلك الإنفلونزا. وهؤلاء الأشخاص زاروا جزراً، سبق أن وُثّق فيها فيروس إنفلونزا الطيور".
لكنّ نتيجة التحاليل كلّها أتت سالبة. كذلك أجرى الخبراء مجموعة من الاختبارات المكثّفة لكشف أمراض تنفسية أخرى، لتأتي النتائج مرّة أخرى سالبة بمجملها.
بعد ذلك، بدأ فريق الخبراء بإجراء مزيد من التحقيقات بشأن موقع إبحار السفينة، أي الأرجنتين، وحقيقة أنّ الركاب الذين كانوا على متن السفينة من هواة مراقبة الطيور، وأنّهم توجّهوا إلى مناطق في أميركا الجنوبية حيث توجد طيور وكذلك قوارض. وهذا ما دفع خبراء الأمراض في جنوب أفريقيا نحو فرضية أخرى؛ فيروس هانتا النادر الذي ينتقل عبر القوارض والمتوطّن في مناطق بأميركا الجنوبية.
وأوضحت بلومبرغ إنّ هانتا "فيروس معروف إنّما غير شائع"، مؤكدةً أنّه "معروف جداً في تشيلي والأرجنتين". أضافت أنّ خبراء في شؤون فيروس هانتا من جنوب أفريقيا والولايات المتحدة الأميركية ساعدوا في عمل بلومبرع وزملائها، بدعم من منظمة الصحة العالمية.
وأشارت الخبيرة في شؤون الأمراض المعدية في جنوب أفريقيا إلى "إمكانية أن تجري اتصالاً عبر تطبيق زوم وتطرح أسئلة وتحصل على نصيحة. هذا ليس أمراً يحدث كلّ يوم. لذلك كان الوضع استثنائياً". وبحلول ذلك الوقت، صباح يوم السبت في الثاني من مايو الجاري، تواصلت بلومبرغ مع رئيسة المختبرات الوحيدة في جنوب أفريقيا التي في مقدورها إجراء اختبارات لفيروس هانتا المشكوك فيه. وتابعت: "قلت لها أريد أن أجري اختبارات لفيروس هانتا، وهي قالت نعم، أنا قادمة".
وعادت الاختبارات التي أُجريت على عيّنات دم أُخذت من الراكب المريض الذي طلب زميل بلومبرغ متابعته، موجبة في ما يتعلّق بالإصابة بفيروس هانتا بعد منتصف ذلك اليوم. وبهدف تأكيد النتائج، أجرى الفريق مجموعة ثانية من الاختبارات، وفقاً لبلومبرغ.
وهذه الاختبارات الموجبة، التي بيّنت كذلك أنّ الفيروس من سلالة أنديز، واحدة من فيروسات هانتا حيواني المنشأ، أتاحت لمنظمة الصحة العالمية إطلاع السفينة السياحية بشأن ما تواجهه وإعلان رصد العدوى على متنها. وعلى الرغم من أنّ فيروس هانتا لا ينتقل بين البشر، إنّما من القوارض إلى الإنسان فقط، فقد أشارت المنظمة إلى احتمال انتقال أنديز من شخص إلى آخر، مع العلم أنّ هذا النوع من الانتقال مرصود فقط في خلال عدوى بأنديز.
ودفعت هذه النتائج بلومبرغ كذلك إلى فحص عيّنات من دم المرأة الهولندية، ميريام شيلبيرورد، زوجة الراكب الذي توفي على متن السفينة السياحية ليو شيلبيرورد. فهي كانت قد نزلت من "إم في هونديوس"، مع جثّة زوجها، على جزيرة سانت هيلينا، قبل أن تُنقَل إلى جنوب أفريقيا حيث توفيت بدورها. وجاءت نتيجة اختبار فيروس هانتا بديها موجبة.
وأفادت الخبيرة في شؤون الأمراض المعدية في جنوب أفريقيا بأنّ تلك "كانت لحظة نجاح باهر"، وأكملت: "على أقلّ تقدير، عندما تعلم ما هي طبيعة ما تتعامل معه، يصير الأمر أسهل بكثير". وأكدت بلومبرغ: "أنا أعمل في شؤون مكافحة الأمراض منذ 25 عاماً. هذا ما نفعله. نقوم بذلك يومياً"، مبيّنةً أنّ "الأمر المهم، بحسب ما أعتقد، هو التوصّل لإجابة سريعاً لسؤال كان ملحّاً بوضوح، ثمّ الانطلاق من هذه النقطة".
تجدر الإشارة إلى أنّ الرجل البريطاني، الذي يُعَدّ أوّل حالة إصابة مؤكّدة بفيروس هانتا على متن السفينة السياحية الهولندية، يتعافى في المستشفى حيث هو، بحسب ما أعلنت وزارة الصحة في جنوب أفريقيا. ويُذكر أنّ سفينة "إم في هونديوس" أنهت رحلتها في ميناء نوتردام الهولندي، بعدما أجلي منها معظم ركابها مقابلة جزيرة تينيريفي، كبرى جزر الكناري الإسبانية، في عملية أشرفت عليها منظمة الصحة العالمية، مع العلم أنّ ركابها البالغ عددهم نحو 150، ما بين مسافرين وأفراد طاقم، من 23 جنسية، وهم يخضعون في الوقت الحالي إلى حجر صحي كلّ في بلده.
(أسوشييتد برس، العربي الجديد)

أخبار ذات صلة.
ساج باقٍ في منصبه مدرباً لـ«لنس»
الشرق الأوسط
منذ 14 دقيقة
هل بات الاتفاق الأمريكي الإيراني وشيكا؟
france24
منذ 18 دقيقة