عربي
يواصل العراق تنفيذ برامج ومبادرات للحدّ من التسرّب المدرسي المتزايد، في محاولة لاحتواء واحدة من أخطر الأزمات الاجتماعية والتعليمية التي تفاقمت خلال السنوات الماضية، لكنّ متخصّصين وناشطين يرون أنّ هذه الإجراءات، رغم أهميتها، ما زالت تمثّل "معالجات مؤقتة"، طالما أنّها لم تُرفَق بخطط طويلة الأمد تعالج الأسباب الاقتصادية والاجتماعية التي تدفع الأطفال إلى ترك مقاعد الدراسة.
ويُعَدّ التسرّب المدرسي من أبرز التحديات التي واجهت العراق بعد عام 2003، تاريخ الغزو الأميركي، وقد شهدت البلاد تراجعاً في تطبيق قانون "إلزامية التعليم" الذي كان يفرض تعليم الأطفال حتى سنّ الثامنة عشرة، مع محاسبة أولياء الأمور الذين يمنعون أبناءهم من إكمال تعليمهم.
وأعلنت وزارة التربية العراقية، أمس السبت، إعادة أكثر من 13 ألف تلميذ وتلميذة متسرّبين إلى المدارس من ضمن برنامج "فرصة"، مشيرةً إلى تحقيق نسبة استمرار في البرنامج بلغت 95% خلال العام الدراسي 2025-2026. وأوضح المدير العام للشؤون المالية ورئيس الحملة الوطنية للعودة إلى التعليم في وزارة التربية، أحمد عباس رشك، أنّ هذا البرنامج يهدف أساساً إلى إعادة الأطفال (كلّ من هو دون 18 عاماً) بما في ذلك المراهقون المتسرّبون من المدارس إلى مقاعد الدراسة.
وأفاد رشك، في بيان، بأنّ تنفيذ برنامج "فرصة"، الذي أطلقته وزارة التربية بالتعاون مع منظمة "سيف ذا تشيلدرن" العالمية، استند إلى "فرق ميدانية شخّصت أسباب التسرّب المدرسي والمناطق الأكثر تأثّراً به". وأضاف أنّه جرت "الاستعانة باللجان والفرق التربوية ذاتها التي عملت ضمن برنامج العودة إلى التعليم لضمان نجاح هذا البرنامج وتحقيق أهدافه". وتابع أنّ هذا البرنامج وفّر "دعماً تربوياً متكاملاً"، شمل القرطاسية وبدلات النقل والأجهزة المساعدة للأشخاص ذوي الإعاقة، فضلاً عن تفعيل دور مجالس الآباء والمعلمين وتدريب الفرق التربوية على أساليب التعامل مع التلاميذ المتسرّبين.
ويأتي برنامج "فرصة" ضمن سلسلة برامج تبنّاها العراق خلال السنوات الأخيرة، ولا سيّما الحكومة العراقية ووزارة التربية فيها، بالتعاون أحياناً مع منظمات دولية ووكالات أممية، من أجل إعادة الأطفال المتسرّبين إلى التعليم، وتقليص توسّع هذه الظاهرة التي تمثّل تهديداً حقيقياً لمستقبل شريحة واسعة من الأطفال العراقيين.
وعلى الرغم من الجهود المبذولة، يرى مراقبون أنّ أزمة التسرّب المدرسي ما زالت مرتبطة بعوامل معيشية وضغوط اجتماعية تفوق قدرة المبادرات الحكومية الحالية على إنهائها كلياً، ولا سيّما في البيئات الفقيرة ومخيمات النزوح والمناطق التي تعاني من ضعف الخدمات.
تخبر أم عبد الله، امرأة عراقية نازحة في أحد مخيمات شمالي العراق، بأنّ الفقر أجبر طفلَيها عبد الله ومحمد على ترك التعليم، والعمل لمساعدة الأسرة في تأمين احتياجاتها اليومية، بعدما عجز زوجها المريض عن توفير متطلبات الحياة. وتضيف لـ"العربي الجديد" أنّ طفلَيها كانا يحلمان بإكمال تعليمهما، غير أنّ الظروف المعيشية القاسية في مخيمات النزوح دفعتهما إلى سوق العمل مبكراً، مشيرةً إلى أنّ "عائلات نازحة كثيرة تعيش المعاناة نفسها". وتلفت إلى أنّ أكثر ما يؤلمها هو رؤية طفلَيها "يكبران بعيداً عن التعليم"، فيما تناشد الحكومة العراقية الجديدة بـ"توفير دعم حقيقي للعائلات الفقيرة والنازحة، وإعادة الأطفال إلى المدارس عبر برامج لا تتوقّف بعد أشهر أو مواسم دراسية محدّدة".
من جهته، يقول الناشط العراقي برهان العبيدي إنّ الحكومة نجحت جزئياً في إعادة عدد من أطفال العراق إلى التعليم، لكنّها لم تنجح حتى الآن في إزالة الأسباب الأساسية التي تدفعهم إلى التسرّب. ويوضح لـ"العربي الجديد" أنّ "المشكلة لم تعد تربوية فقط، بل تحوّلت إلى أزمة اجتماعية واقتصادية معقّدة ترتبط بالفقر والبطالة وعمالة الأطفال وضعف الاستقرار الأسري"، من دون أن ينسى الإشارة إلى "تداعيات النزوح المستمرّة في مناطق عدّة".
يضيف العبيدي أنّ "عائلات كثيرة في العراق صارت تعتمد على دخل الأطفال لتأمين احتياجاتها الأساسية، ما يجعل العودة إلى المدرسة قراراً صعباً بالنسبة إليها، حتى مع توفّر مبادرات حكومية". ويحذّر من أنّ "استمرار التسرّب المدرسي قد يؤدّي إلى اتساع رقعة الأمية وظهور أجيال ضعيفة التعليم وأكثر عرضة للاستغلال والانحراف"، داعياً إلى "بناء شبكة حماية اجتماعية حقيقية تمنع الأطفال من ترك المدرسة في الأساس".
في سياق متصل، يقول الأستاذ المتخصّص في علم النفس التعليمي أمجد الحياني إنّ برامج إعادة المتسرّبين "خطوة إيجابية، لكنّها لا تكفي وحدها لإنهاء الأزمة"، مشدّداً على ضرورة أن تأتي "إلى جانب سياسات تنموية شاملة". يضيف لـ"العربي الجديد" أنّ "ثمّة أطفالاً يعودون إلى المدارس لفترات قصيرة ثمّ يتركونها مرّة أخرى بسبب استمرار الضغوط الاقتصادية أو عدم توفّر بيئة تعليمية مستقرّة، وهو ما يعني أنّ المعالجات الحالية قد تخفّف من حجم الظاهرة لكنّها لا تعالج جذورها". ويلفت الحياني إلى أنّ "العراق في حاجة إلى خطط بعيدة المدى تشمل دعم الأسر الفقيرة، وتحسين واقع المدارس، وتوسيع برامج الرعاية الاجتماعية، بالإضافة إلى توفير برامج تأهيل نفسي وتعليمي للأطفال الذين انقطعوا سنوات عن المدرسة".
وكان مئات الآلاف من أطفال العراق قد انخرطوا مبكراً في سوق العمل خلال العقدَين الماضيَين، وذلك على خلفية الحروب والأزمات الاقتصادية والنزوح وتدهور الخدمات، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على مستوى التعليم في البلاد. وكانت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) قد بيّنت، في تقرير يعود إلى عام 2021، أنّ نحو 3.2 ملايين طفل عراقي في سنّ الدراسة كانوا خارج المدارس حينها، محذّرةً من أنّ التسرّب المدرسي لا يهدّد مستقبل التعليم فقط بل يتيح المجال أمام استغلال الأطفال وحرمانهم من أبسط حقوقهم الأساسية.

أخبار ذات صلة.
دونيس: باب المنتخب السعودي مفتوح للجميع
الشرق الأوسط
منذ 6 دقائق