عربي
توصلت القوى السياسية في العراق إلى تفاهمات تقضي بإرجاء حسم استكمال باقي الحقائب الوزارية لحكومة علي الزيدي إلى ما بعد عطلة عيد الأضحى، من دون التوصل إلى توافقات سياسية بشأن تسمية الوزراء للحقائب الوزارية التسع الشاغرة، وأبرزها الداخلية والدفاع والتخطيط والتعليم.
ووفقاً لمصادر سياسية تحدثت لـ"العربي الجديد"، فإن هناك تفاهمات لإرجاء جلسة البرلمان الخاصة باستكمال الحكومة إلى ما بعد عطلة العيد في بغداد، مؤكدة أن الخلافات ما زالت مستمرة بين القوى العربية الشيعية بشأن توزيع بعض المناصب والحقائب الوزارية المتبقية، في ظل تمسك أطراف نافذة بحصصها السياسية ومحاولتها تعزيز حضورها داخل الحكومة الجديدة.
وأكدت المصادر ذاتها أن الخلافات بين القوى السياسية السنية بشأن وزارة الثقافة، رغم وجود اتفاقات سياسية أولية كانت تقضي بمنح الوزارة إلى تحالف العزم إلى جانب وزارة التخطيط، إلا أن التطورات التي رافقت جلسة منح الثقة للحكومة أعادت خلط الأوراق، مع تحرك أطراف سنية أخرى باتجاه إعادة توزيع الحصص الوزارية، والدفع نحو منح وزارة الثقافة إلى حزب الجماهير بزعامة أحمد الجبوري، الأمر الذي عمّق حدة التنافس داخل البيت السني وأدخل المفاوضات في مسار أكثر تعقيداً.
والوزارات الشاغرة حالياً، والتي باتت تدار بالوكالة من وزراء آخرين أو من خلال رئيس الوزراء علي الزيدي، هي: الداخلية، والدفاع، والتعليم العالي، والعمل، والشباب والرياضة، والتخطيط، والثقافة، والإعمار والإسكان، والهجرة والمهجرين.
ويرى مراقبون أن استمرار هذه الخلافات السياسية ينعكس بصورة مباشرة على قدرة حكومة الزيدي على الانطلاق ببرنامجها التنفيذي، خصوصاً أن بقاء بعض الوزارات شاغرة أو خاضعة لإدارة بالوكالة يحد من فاعلية الأداء الحكومي ويؤخر اتخاذ القرارات المرتبطة بالملفات الخدمية والاقتصادية. كما أن تأخر استكمال الكابينة الوزارية يبعث برسائل سلبية بشأن استقرار التحالفات السياسية الداعمة للحكومة، ويثير تساؤلات حول مدى قدرة القوى المشاركة في السلطة على تجاوز خلافاتها وتقديم المصالح العامة على حسابات المكاسب الحزبية.
ويقول عضو تحالف "الإطار التنسيقي" عدي الخدران، لـ"العربي الجديد"، إن القوى السياسية تتجه نحو حسم ملف استكمال الكابينة الوزارية لحكومة علي الزيدي بعد انتهاء عطلة عيد الأضحى، وهناك توافق سياسي عام على ضرورة إنهاء هذا الملف خلال المرحلة القريبة المقبلة، من أجل تمكين الحكومة من مباشرة مهامها بشكل كامل. وبيّن الخدران أن "بقاء بعض الوزارات شاغرة لم يعد يخدم عمل الحكومة أو استقرارها، وأغلب الأطراف تدرك أهمية حسم هذا الملف سريعاً لتفادي أي تعطيل في الأداء التنفيذي".
وشدد عضو "الإطار التنسيقي" على أن "حكومة الزيدي تحتاج في مرحلتها الأولى إلى دعم سياسي واسع واستقرار في المواقف بين القوى المشاركة، لأن استمرار النزاعات حول المناصب والوزارات قد يخلق أجواء من عدم الاستقرار السياسي ويؤثر على قدرة الحكومة في تنفيذ برنامجها". لكنه أكد، في الوقت ذاته، أن "الحوارات لا تزال مستمرة بين مختلف الأطراف للوصول إلى تفاهمات نهائية بشأن الوزارات المتبقية، والقوى السياسية تدرك حساسية المرحلة الحالية، لذلك هناك محاولات لتقريب وجهات النظر ومنع انتقال الخلافات إلى مستويات قد تؤثر على تماسك التحالفات أو تعطل عمل الحكومة خلال الفترة المقبلة".
وتزداد المخاوف من أن يؤدي استمرار حالة الانسداد بشأن الوزارات المتبقية إلى إضعاف ثقة الشارع بالحكومة الجديدة، في وقت تواجه فيه البلاد تحديات اقتصادية وخدمية وأمنية تتطلب وجود حكومة مكتملة وقادرة على اتخاذ قرارات حاسمة. كما أن استمرار النزاعات السياسية حول تقاسم الحقائب قد يفتح الباب أمام جولات جديدة من المساومات والتفاهمات المؤقتة، بما يكرس مبدأ المحاصصة السياسية ويؤثر على استقرار الأداء الحكومي خلال المرحلة المقبلة.
في المقابل، يقول أستاذ العلوم السياسية خالد العرداوي، لـ"العربي الجديد"، إن "المشهد الحالي يعكس أزمة نفوذ وسلطة تهدد بشكل مباشر استقرار الحكومة الجديدة وتضعف قدرتها على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية التي تمر بها البلاد، والقوى السياسية ما تزال تتعامل مع ملف الوزارات بعقلية المحاصصة وتقاسم النفوذ، بعيداً عن أي اعتبارات تتعلق بمصلحة الدولة".
وأكد العرداوي أن "الصراع الدائر حالياً داخل بعض التحالفات السياسية، سواء في البيت الشيعي أو السني، كشف حجم الانقسام الحقيقي بين القوى المشاركة في الحكومة، وأظهر أن التوافقات المعلنة لا تزال هشة وقابلة للانفجار عند أول خلاف على المناصب". وبيّن أن "التأخير المستمر في حسم الكابينة الوزارية يمثل دليلاً واضحاً على عمق الأزمة السياسية، لأن القوى المتنفذة باتت منشغلة بتوسيع نفوذها السياسي والحزبي أكثر من اهتمامها ببناء حكومة مستقرة وقادرة على العمل، وبعض الأطراف تنظر إلى الوزارات باعتبارها مراكز قوة ومصالح سياسية واقتصادية، وليس مؤسسات خدمية يفترض أن تعمل لخدمة المواطنين".
وأضاف أن "خطورة هذه الصراعات لا تتوقف عند حدود تعطيل استكمال الحكومة، بل تمتد إلى تهديد استقرارها السياسي منذ أيامها الأولى، فأي حكومة تبدأ عملها وسط هذا الكم من الخلافات والتجاذبات ستكون معرضة للابتزاز السياسي والضغوط المستمرة، ما ينعكس سلباً على قدرتها على اتخاذ القرارات وتنفيذ برامجها".
وتابع أن "العراق يواجه اليوم ملفات معقدة وحساسة تتعلق بالأوضاع الاقتصادية والخدمية والأمنية، إلى جانب تحديات إقليمية ودولية متسارعة، الأمر الذي يتطلب وجود حكومة قوية ومدعومة سياسياً، وليس حكومة محاصرة بالخلافات والصراعات الحزبية. واستمرار التنافس على الوزارات في هذا التوقيت الحساس يعطي انطباعاً خطيراً عن طبيعة الأداء السياسي، ويؤكد أن المصالح الحزبية ما تزال تتقدم على حساب استقرار الدولة".
وختم أستاذ العلوم السياسية حديثه بالقول إن "القوى السياسية تتحمل مسؤولية مباشرة أمام الشارع العراقي عن أي تعثر أو فشل قد تواجهه الحكومة الجديدة، لأن استمرار الصراع على النفوذ والمناصب يهدد بإدخال البلاد في مرحلة جديدة من عدم الاستقرار السياسي والإداري، في وقت يحتاج فيه العراق إلى التهدئة والتفاهم أكثر من أي وقت مضى".

أخبار ذات صلة.
ماذا نعرف عن مطلق النار قرب البيت الأبيض؟
الشرق الأوسط
منذ 23 دقيقة