عربي
في كتابه "نقد العمل الأدبي: من التأطير المنهجي إلى الذكاء الاصطناعي"، (بيت الحكمة للثقافة، القاهرة، 2026)، يصحبنا الباحث سيد محمد السيد في مغامرة نقدية عابرة للحدود والأنماط، للبحث عن إجابة لسؤال واحد ومتجدد: كيف نقرأ الأدب لنستخلص معرفته، ونستمتع بجماله في آن؟ تتوزع صفحات الكتاب الواقع في ثلاثمئة صفحة، على أحد عشر فصلاً تحمل عناوين لافتة مثل: "سهرة درامية في ضيافة التاريخ"، و"ذاك المطبوع في النص"، و"قارئي العزيز صورتك في عيني".
ويُستهل هذا البناء بفصل استرشادي يقدم للدارسين بدائل لربط التقنيات بالرؤى، معتمداً على هوامش تفتح نوافذ إضافية على المتن. ومن خلال هذا المزج بين الحس الأكاديمي والرهان الجمالي، يقترب الكتاب من منطقة طالما أثارت حذر المؤسسة النقدية؛ فبرغم ما رسخته قصيدة النثر، لا يزال الوسط الأكاديمي يتهيب الاعتراف الكامل بها، فيما تتردّد أصداء موسيقى الخليل في أروقة الجامعات وصفحات التراث. لذلك، حين يقرّر أكاديمي ولوج عالم الجمال عبر بوابة النثر، فذلك يعني أن ذائقته استطاعت التقاط الموسيقى وهي تنزل السلالم: "هذا صباح جميل/ الشمس ضاحكة، كفستان أنثى/ وثمّة موسيقى/ تنزل السلالم".
يفتتح الكتاب مقاربته بهذا المقطع للشاعر علي منصور، طارحاً تساؤلات حول الجذب الموسيقي في النص. وعبر صفحات من التحليل، يقتفي أثر الإيقاع بين فيزياء المكان وفلسفة الجمال، كاشفاً عن الذاكرة الإيقاعية في ثنايا الكتاب، عبر استحضار شلالات الوجد لدى أبو صخر الهذلي، ودفقات الشجن عند فاروق جويدة وأشرف عامر، وصولاً إلى غنائية ديمة محمود، في محاولة لتدريب المتلقي على اقتناص الموسيقى وهي تهبط السلم.
يرى أن واقع الآلة أكثر تواضعاً من أوهام الوعي المستقل
وتمتد حصة الشعر لتشتبك مع المناهج السياقية والثقافية عبر استعادة قامات شعرية طواها التهميش، وفي مقدمتها أحمد خميس، الشهير بـ"شاعر الروابي". يتّخذه المؤلّف نموذجاً لجدلية الموهبة والإنصاف، مستدعياً المثل الشائع "قيراط حظّ، ولا فدان شطارة" ليفسّر كيف يظلم النقد بعض الأصوات الحالمة. ومن خلال قراءة قصيدته "الروابي الخضر"، التي غناها الموسيقار محمد عبد الوهاب، ينتقل من تحليل النسق البنائي إلى نقد النسق الثقافي، باحثاً في كيفية تشكل الذائقة الجمعية، وصعود نصوص واستبعاد أُخرى من المشهد الأدبي.
السرد العابر للأمكنة
من فضاء الشعر إلى رحاب الرواية، ننتقل باستهلال عن مدى قدرتنا على الاستغناء عن المحمول والأجهزة الرقمية التي تشاركنا تفاصيل حياتنا وكلامنا وصمتنا، بعدما تجاوزت كونها أدواتٍ لتغدو امتداداً لعزلتنا. ومن هنا يبدأ عبوره إلى رواية "تانغو وموال" للكاتبة المصرية مي خالد، مستغلّاً عمل بطلتها مذيعةً في تسليط الضوء على الراديو بوصفه "الصورة الصوتية للبشر"، فنحن لا نخترع الأشياء إلّا لتشبهنا وتحقق أحلامنا في التمدد. هكذا جاء الراديو وريثاً للربابة القديمة، حاملاً وجداننا الجمعي؛ من شجن الشيخ رفعت وابتهالات النقشبندي إلى دقّات مسحراتي سيد مكاوي.
ينفذ الكتاب إلى عالم الرواية، جاعلاً من الراديو قضية مركزية تثير أسئلة حول فلسفة الكلام والصمت وحوار الفنون، تتشابك فيها موسيقى التانغو مع الموال في فضاء إذاعي واحد. ويتحول النقد إلى عملية تحرير للصوت المحبوس، كاشفاً كيف جعلت الكاتبة من الصمت داخل المصحة النفسية صدىً لضجيج الأفكار التي يبثها "راديو الروح". ويربط المؤلف بين أثير "ماسبيرو" واتساعه الرمزي، وعالم الآثار الفرنسي بشغفه بالتنقيب عن طبقات الذاكرة. ومن هذا التشابك تتسع فكرة التأويل؛ فلا يعود النص مجرد حكاية، بل تجربة بصرية وسمعية أقرب إلى التجول داخل معرض تشكيلي أو الإنصات إلى مقطوعة موسيقية. وفي الخلفية يواصل تتبع تحولات الحكاية العربية مع تغير الوسائط؛ من المجالس الجماعية والإنصات المشترك، إلى التلفزيون الذي نقل الدراما إلى جمهور أوسع عبر أعمال مثل "ليالي الحلمية" و"المال والبنون"، وصولاً إلى الشاشات الرقمية التي أعادت تشكيل السرد بوصفه تجربة فردية معزولة.
من آهات الست إلى آفة الكذب
لا غرابة أن يجمع الكتاب أيضاً الأغنية، بوصفها "وثيقة ثقافية" كاشفة لهوية المجتمع، وقد تناثرت الأغاني على طول الرحلة كعلامات طريق أو إشارات مرور. في جزء بعنوان "النقد الثقافي والنسق الموازي" يتطرق إلى أغاني أم كلثوم، ليرى في صوتها "الجينات الحضارية" التي تربط شجن المحب المعاصر بـ"شكاوى الفلاح الفصيح" في الأدب المصري القديم؛ معتبراً أن "الآه" الكلثومية صدى لآلاف السنين من المواجهة النفسية مع الأزمات. ومن جهة أخرى، يمتلك شجاعة إنصاف "المهمش"، محللاً ظواهر مثل أحمد عدوية وبحر أبو جريشة بوصفها جماليات مغايرة تعكس وعي المتلقي الجماهيري بعيداً عن وصاية "سلطة النقد الرسمي".
اختيارات نقدية يتجاور فيها الشعر والرواية والأغنية
ولا يفوته التوقف عند تجربة كامل الشناوي، ليكشف كيف انصهرت الخبرة الصحافية في قلب البنية الشعرية، محولةً الحدث العاطفي في قصيدة "لا تكذبي" إلى ما يشبه السبق الصحفي الذي يثير فضول المتلقي ويجري على لسانه مجرى الأمثال. كما يشير إلى استعارة الشناوي لمصطلحات من عالم الأخبار والحروب لوصف الحالة الوجدانية، مثل تعبير "بالصمت الرهيب"؛ حيث نقل الصورة من ضيق الوجدان إلى فضاء أرحب يتسم بالهيبة والكارثية.
السيد عقل في "بستان البصرة"
يطوف بنا "نقد العمل الأدبي" في رحلةٍ بانورامية عبر الأنواع. وتكمن القيمة الحقيقية لهذا العمل في الخلطة الشاملة للمناهج التي طوّعها؛ إذ تآلفت البنيوية التكوينية والأسلوبية التحليلية مع النقد البيئي والثقافي والمنهج النفسي والتاريخانية الجديدة لتقدّم نقداً ديمقراطياً يتسع لكل الأذواق ويستوعب مختلف الأجيال. في محطةٍ لافتة، يُقدم السيد درساً في الأسلوبية النفسية عبر تشريحه لمقطع من كتاب "حول العالم في 200 يوم" لأنيس منصور: "عشرون عاماً من حياة الزعيم أحمد عرابي لا يعرفها أحد، قضاها في المنفى لم يقربه أحد، لم يتحدث إليه أحد، لم يكتب عنه أحد، الذين عرفوه ماتوا، الذين اشتركوا معه في الجهاد ماتوا، الذين أحبوه وساروا وراءه ماتوا. لم يبق منهم إلا خادمة عجوز تسكن بالقرب من بيته في مدينة كاندي. إنها لا تتكلّم. ولكن عندما تسمع اسم عرابي تبكي".
يرى المؤلف أن أنيس منصور لم يكن يدوّن وقائع تاريخية تخص الزعيم بقدر ما كان يخطُّ سيرةً ذاتيةً مُضمرة؛ انصهرت فيها شخصية الأديب والفيلسوف والإعلامي في بوتقة الكلمة. وعبر استنطاق ذكي لأدوات النحو كالنفي المتكرر وتوظيف الضمائر، يرى أن أنيس يتخذ من عزلة عرابي قناعاً يبوح من خلفه بوحدته الوجودية. لتنتهي تلك المغامرة المتشعبة، بفصل قصير، يستعيد فيه الكاتب ذاكرة البحث التقليدي، كأداة مقارنة كاشفة أمام ما يسميه بالمساعد السحري؛ إذ تتجاور مشقة التنقيب في المخطوطات وأمهات الكتب مع سرعة العصر الرقمي.
ويفتح المؤلف أفقاً تطبيقياً من خلال قراءته لرواية "بساتين البصرة" للكاتبة منصورة عز الدين، بوصفها نموذجاً للرواية التاريخية الجديدة، كما يربط بين أوهام الوعي المستقل للآلة، في "فانتازيا السيد عقل"، وبين واقع أكثر تواضعاً، مؤكداً أن ما تحقق هو تعاظم قدرة الآلة على التخزين والتصنيف، لا على الابتكار. ومن ثم يعيد ترتيب العلاقة بين الجهد العضلي والإدارة العقلية، مسجّلاً أن الذكاء الاصطناعي قد يعفي الباحث من عناء البحث، لكنه لا يعفيه من مسؤوليته المعرفية.
* كاتبة مصرية

أخبار ذات صلة.
بين انتقاد الدراما العربية ونقدها
العربي الجديد
منذ 20 دقيقة
قصيدة النثر من البيان إلى ما بعد القصيدة
العربي الجديد
منذ 20 دقيقة