محمد معيط يحلل لـ"العربي الجديد" أزمة الاقتراض في مصر
عربي
منذ 19 ساعة
مشاركة
يبدو أن الحكومة المصرية ماضية نحو جولة مفاوضات جديدة للحصول على قروض إضافية من صندوق النقد الدولي يساعدها على سد فجوة عجز مالي تقدر بنحو 50 مليار دولار. وألمح المدير التنفيذي في صندوق النقد الدولي ووزير المالية المصري الأسبق محمد معيط، في تصريح خاص لـ "العربي الجديد"، إلى أن استمرار ضغوط العجز بين الواردات والصادرات وصعوبة الحصول على التمويل من مؤسسات دولية، من دون أن يكون صندوق النقد طرفاً فيها، وضعت الاقتصاد المصري في دورة مربكة تضغط على العملة ومعدلات التضخم، بما يدفع صاحب القرار الاقتصادي في الدولة إلى البحث عن بدائل صعب توافرها، أو الاستعانة بالصندوق لمساعدته على كبح التضخم، وبما يخفف من تبعات الأزمة على المواطنين. وأشار عضو مجلس مديري صندوق النقد، ممثلاً لمصر والمجموعة العربية، إلى أن حالة الحرب المستمرة في منطقة الخليج، والتي جاءت امتداداً لثلاث أزمات دولية متتالية منذ عام 2020، قد ضاعفت الضغوط بشكل هائل على الموازنة العامة. وتفاقمت هذه التحديات مؤخراً إثر القفزات الحادة في أسعار النفط؛ حيث ارتفع متوسط سعر البرميل من 60-70 دولاراً في عام 2025 ليصل إلى 112 دولاراً. وأوضح معيط أنه في ما يخص دولة مثل مصر، التي تستورد نحو 180 مليون برميل نفط سنوياً، فقد سبَّبت هذه القفزة زيادة فاتورة واردات المحروقات لتصل إلى 9 مليارات دولار سنوياً. ولم يقتصر الأمر على الطاقة فحسب، بل امتد الارتفاع ليشمل كل السلع المستوردة، وفي مقدمتها القمح الذي تستورد منه مصر ما بين 10 إلى 12 مليون طن سنوياً. وشرح وزير المالية الأسبق، أن الزيادة في أسعار القمح عقب الغزو الروسي لأوكرانيا أسفرت عن تضاعف سعره عالمياً ليصل إلى مستوى 550 دولاراً للطن، ما عجّل بطلب مصر الحصول على القرض الثالث من الصندوق عام 2022، والذي جرى تطويره عام 2024، بما له من تبعات أدت إلى تراجع الجنيه وارتفاع معدلات التضخم. وأكد معيط أنه ما لم يتم كسر "الدورة المغلقة" لأزمة عجز الميزان التجاري عبر آليات حقيقية تُحفّز الإنتاج ومعدلات التصدير، وتُضاعف إيرادات الدولة من قطاعات السياحة، والزراعة، والصناعة، إلى جانب عائدات قناة السويس وتحويلات المصريين في الخارج؛ فلن يجد صانع القرار بديلاً عن اللجوء إلى صندوق النقد الدولي، حيث يتدخل الصندوق، وفقاً لاختصاصاته، لتخفيف الضغط عن العملة المحلية وكبح جماح التضخم عبر حزمة من السياسات النمطية التي يطبقها مع الدول الأعضاء التي تواجه احتياجاً ماساً لتمويل مشروعاتها. وأضاف معيط أن الدول التي تطلب تمويلاً من الصندوق غالباً ما تُقدم على هذه الخطوة بعد نفاد الخيارات التمويلية الأخرى، مستهدفةً تحقيق الاستقرار المالي والإصلاح الهيكلي. ويأتي ذلك مقابل التزامها بـ "مشاورات المادة الرابعة" من اتفاقية تأسيس الصندوق، والتي تمنحه الحق في مراجعة الميزانيات والسياسات الاقتصادية للدول الأعضاء، بما يضمن تحقيق الانضباط المالي والتزام المقترضين بضوابط إصلاح السياسات الائتمانية، والنقدية، والهيكلية. وذكر معيط أن شهادة حسن الأداء التي يمنحها الصندوق للدول المقترضة تساعدها في الحصول على تمويلات أخرى من البنك الدولي، وتمنح البنوك ومؤسسات التمويل الدولية ثقة في الاقتصاد، مما يتيح أمامها فرصاً أخرى للحصول على قروض لتمويل خططها الإنمائية. وأرجع معيط استمرار الأزمة الاقتصادية في مصر إلى زيادة فوائد الدين لتصل إلى تريليوني جنيه سنوياً، مؤكداً أن هذه الزيادة تلتهم الارتفاع المحقق في حصيلة الميزانية البالغ نحو 800 مليار جنيه. وأوضح أن إجمالي الدين العام في حد ذاته لا يمثل مشكلة بالنسبة لمصر، خاصة أنه يتجه للانخفاض سنوياً ويشكل أقل من 80% من الناتج الوطني الإجمالي، في حين أن هناك دولاً يتجاوز حجم دينها 260% من ناتجها الإجمالي ولا تعاني الأزمة نفسها؛ نظراً إلى أن التضخم لديها يقترب من الصفر، مما يجعل الاستدانة لديها ميزة لدعم النمو والاستثمار. أما في حالة مصر، فإن فوائد الدين تلتهم صافي العوائد المتحققة من الفارق بين الإيرادات والمصروفات، لتتبقى فجوة بقيمة 1200 مليار جنيه تسعى الدولة لتغطية ما يعادلها عبر قروض بالعملة الصعبة. وأوضح معيط أن مجلس مديري صندوق النقد، الذي يضم 25 شخصاً يمثلون 191 دولة من الأعضاء في الصندوق، يدرسون حالياً تقديم قروض تراوح ما بين 30 إلى 50 مليار دولار لمساعدة الدول الأكثر تأثراً من حرب الخليج على تحقيق الاستقرار المالي. ويتزامن ذلك مع الموافقة، لأول مرة، على إدخال برامج للإصلاح الاقتصادي ذات أبعاد اجتماعية في الدول المقترضة تشمل الإنفاق على التعليم والصحة. وتأتي هذه الخطوة ضمن آليتين تستهدفان خفض الفقر ودعم التنمية عبر قروض ميسرة وبأسعار فائدة منخفضة، خاصة للدول التي تواجه صعوبة في تمويل برامجها التنموية وسداد أقساط الديون المستحقة عليها وفوائدها، بالإضافة إلى تمرير قروض طويلة الأجل تسمح للدول بمواجهة أعباء التغيرات المناخية، التي تزيد من آلام الدول الفقيرة والنامية الواقعة بين رغبتها في تنمية مواردها وعدم القدرة على التمويل الذاتي أو الحصول على قروض من الأسواق الدولية. وفي هذا السياق، يضع صندوق النقد والبنك الدوليان مصر ضمن أعلى الدول المتأثرة بصدمات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، ويصنفانها في المرتبة الثالثة بعد الهند وباكستان بوصفها أكثر الدول تضرراً من ارتفاع أسعار المحروقات، تعطل سلاسل الإمداد، ارتفاع أسعار الشحن، بما يفوق حتى الدول المتحاربة في الخليج وإيران. ورفض معيط دعوات اقتصاديين تطالب الدولة بوقف الاستيراد وقصره على الاحتياجات الاستراتيجية فقط، مؤكداً أن هذه السياسة تزيد من مشكلات الاقتصاد، نظراً إلى أن الدولة تحتاج إلى الواردات لدعم الصناعات التصديرية والإنتاجية، مما يلزمها بضرورة زيادة الإنتاج وتحفيز النمو من أجل سد الفجوة التمويلية. وقال معيط إن أي دولة لا تذهب إلى صندوق النقد للاقتراض إلا بعد أن تدرك صعوبة حصولها على تمويل من جهات أخرى، في تلميح إلى مواجهة مصر صعوبات للحصول على قروض تسد فجوة التمويل بالموازنة الجديدة. وفي السياق ذاته، رفعت الحكومة سقف برنامج إصدار السندات الدولية متوسطة الأجل من 30 مليار دولار إلى 40 ملياراً، مستفيدة من شهادات أطلقها صندوق النقد والبنك الدوليان الأسبوع الماضي حول التحسن النسبي في الأداء الاقتصادي، والتي دفعت عدداً من مؤسسات التصنيف الائتماني إلى ترقية مصر ضمن الدول المستقرة عند مستوى (B-). ووفقاً لتصريحات وزير المالية أحمد كوجك، تستهدف الحكومة إصدار سندات دولية تعادل الالتزامات المستحقة سنوياً مطروحاً منها مليارا دولار، لضمان خفض عبء الدين الخارجي الذي بلغ 163 مليار دولار نهاية عام 2025. وفي هذا الإطار، طرحت الوزارة سندات اجتماعية وتنموية بقيمة مليار دولار، عبر اكتتاب تجاوزت قيمته 3.9 مليارات دولار، مما سمح بخفض التسعير النهائي من مستوى 8% إلى 7.625%، وقد تولت إصداره بنوك محلية إلى جانب دويتشه بنك الألماني وبنك إتش إس بي سي البريطاني. وجاء هذا الطرح في وقت تواجه فيه مصر التزامات مالية ضخمة تشمل سداد أقساط وفوائد ديون سيادية، وقروض متعددة الأطراف، وسندات مالية، بينما تجري مفاوضات مكثفة مع بعثة صندوق النقد الدولي الموجودة منذ أسبوعين في القاهرة لتسريع صرف 3 مليارات دولار، وهي بقية قرض البرنامج الثالث مع الصندوق. وأظهرت الحسابات الخاصة بالإصدار الجديد أن مصر ستدفع 570 مليون دولار فوائدَ على السندات المطروحة خلال 8 سنوات، بالإضافة إلى أصل الدين البالغ مليار دولار عند الاستحقاق، مما يرفع التكلفة الإجمالية للإصدار إلى نحو 1.57 مليار دولار. ويرى محللون أن العائد المرتفع نسبياً يعكس استمرار مطالبة المستثمرين بعلاوة مخاطر كبيرة مقابل الاحتفاظ بالديون المصرية، على الرغم من تحسن بعض المؤشرات النقدية الصادرة خلال الأشهر الأخيرة. وفي الوقت نفسه، يعكس الإصدار اتجاهاً متزايداً لدى الحكومة نحو أدوات الدين "المستدامة"، في محاولة لتوسيع قاعدة المستثمرين والوصول إلى جهات التمويل، وعلى رأسها صندوق النقد الدولي، البنك الدولي، بنك التعمير الأوروبي، بنك دول بريكس. وفي تحليل أجراه الدكتور عيد رشاد الكيلاني، أستاذ الاقتصاد المشارك بجامعة عين شمس، أوضح لـ "العربي الجديد" أن إجمالي الناتج الوطني لمصر يبلغ 389 مليار دولار، بينما يصل إجمالي الإنفاق المطلوب خلال العام المالي 2025-2026 (الذي ينتهي في 30 يونيو/حزيران المقبل) إلى 415 مليار دولار، مشيراً إلى وجود فجوة بقيمة 26 مليار دولار تمثل العجز في ميزان المدفوعات. وبيّن الكيلاني أن فجوة تمويل الموازنة العامة تقترب من قيمة الفجوة بين الادخار والاستثمار البالغة نحو 24 مليار دولار، مما يعني اتساع العجز الذي تحتاج إليه مصر إلى نحو 50 مليار دولار خلال العام المالي المقبل 2026-2027. يُذكر أن مصر ستظل في حاجة إلى مزيد من الاقتراض، نظراً إلى احتياجها إلى زيادة النمو وتطوير الصناعة، والزراعة، والقطاعات الخدمية كالتعليم والصحة في الوقت ذاته، وهي أمور اقترضت من أجلها على مدار السنوات العشر الماضية ولم تتمكن من الاستفادة من تلك القروض؛ لأنها جاءت في ظروف غير مواتية ارتبطت باتفاقات مع صندوق النقد الدولي لإجراء إصلاح هيكلي للاقتصاد تحت ضغوط سيئة، بدأت مع انتشار وباء كوفيد-19، وأعقبتها الحرب الروسية-الأوكرانية، ثم العدوان الإسرائيلي على غزة، والحرب في الخليج.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية