أهداف الكرملين من تسهيل منح سكان بريدنيستروفيه الجنسية الروسية
عربي
منذ ساعة
مشاركة
في خطوة إضافية لتعزيز النفوذ الروسي في منطقة بريدنيستروفيه (ترانسنستيريا) الانفصالية عن مولدوفا، وقّع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، منتصف شهر مايو/أيار الحالي، على مرسوم يبسّط إجراءات حصول سكان المنطقة على الجنسية الروسية. وبإقرار المرسوم الذي أُعلن في 16 مايو/ أيار الحالي، يلقي الكرملين بسلاح ثقيل، في إطار محاولاته منع خسارة الإقليم الذي أعلن انفصاله من جانب واحد عام 1991، وبات بريدنيستروفيه الخريف الماضي (انتخابات برلمان الإقليم في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي) أمام مفترق طرق لتحديد وجهته المستقبلية لجهة اندماجه أكثر هو ومولدوفا ودعم الخيار الأوروبي، أو الانفصال والتحوّل إلى ثكنة عسكرية كبيرة لروسيا. الخيار الثاني قد يستخدم لاحقاً ضد مولدوفا أو مناطق أوديسا وميكولاييف في جنوب غربي أوكرانيا، ضمن مخطط الكرملين لإعادة "نوفوروسيا" (روسيا الجديدة، يشير إلى المنطقة الواقعة شمال البحر الأسود) التي فقدتها موسكو بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. مرسوم تسهيل الجنسية جاء بعد يومين من مشروع قانون أقره مجلس الدوما الروسي، يخوّل إلى الرئيس استخدام القوة العسكرية للدفاع عن المواطنين الروس في الخارج استراتيجية الكرملين تجاه بريدنيستروفيه ومن غير المستبعد أن يشكّل المرسوم محوراً مهماً في استراتيجية جديدة لتعامل ديوان الكرملين مع بريدنيستروفيه في ظل نقل ملف مولدوفا إلى إشراف سيرغي كرينكو، نائب رئيس الديوان بعد إقالة دميتري كوزاك، الخريف الماضي، وهو مساعد الرئيس والمسؤول في الكرملين عن العلاقات مع بلدان الاتحاد السوفييتي السابق والكيانات الانفصالية فيها، إثر فشل "القوة الناعمة" والتدخل في الانتخابات (سبتمبر/ أيلول 2025) في إعادة مولدوفا إلى الفلك الروسي.  ويسمح المرسوم للمواطنين الأجانب وعديمي الجنسية الذين تزيد أعمارهم عن 18 عاماً والمقيمين في بريدنيستروفيه بالحصول على الجنسية الروسية من دون استيفاء الشروط المعتادة للإقامة خمس سنوات في روسيا بعد الحصول على تصريح إقامة، أو اجتياز اختبارات في إتقان اللغة الروسية والتاريخ والتشريعات الأساسية. ورأى السفير الروسي لدى مولدوفا، أوليغ أوزيروف، في تصريحات لوكالة "تاس" الروسية، يوم 16 مايو الحالي، أن التسهيلات الجديدة ستوسع فرص السكان في حماية حقوقهم ومصالحهم وفق الدستور الروسي. ورفض السفير الروسي الاتهامات بانتهاك سيادة مولدوفا ووحدة أراضيها، مضيفاً أن الاتهامات "لا تصمد أمام التدقيق". واتهم كيشيناو بـ"ازدواجية المعايير" على خلفية المنح الواسع للجنسية الرومانية. يُذكر أن قرابة 1.5 مليون مولدوفي من أصل عدد السكان المقدّر بنحو 2.4 مليون، يحملون الجنسية الرومانية. وأثار مرسوم بوتين تساؤلات حول التوقيت والغاية منه، فقد جاء بعد يومين من مشروع قانون أقره مجلس الدوما (البرلمان) الروسي، يخوّل إلى الرئيس استخدام القوة العسكرية للدفاع عن المواطنين الروس في الخارج، وهي ذريعة استخدمتها روسيا سابقاً لشن حرب على جورجيا في 2008، ولاحقاً على أوكرانيا. وصدر المرسوم في ظل تقارير عن تراجع في أعداد المتعاقدين والمجندين الروس الجدد في الوقت الذي تزداد فيه خسائر الجيش الروسي البشرية في حربه على أوكرانيا منذ 2022.  ورغم إشارة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، عقب المرسوم، إلى أن الهدف الأساسي من تسهيل منح الجنسية الروسية هو تجنيد مقاتلين جدد من بريدنيستروفيه، فإن حجم القادرين على القتال في المنطقة الانفصالية ليس كبيراً، ولن يحدث فارقاً مهما. فلا يتجاوز عدد سكان الإقليم الـ375 ألفاً، حصل 59% منهم فعلياً على الجنسية الروسية حتى عام 2024، حسب سلطات بريدنيستروفيه ذاتها. وسابقاً، أصدر بوتين مراسيم مشابهة لتسهيل الحصول على الجنسية الروسية لمواطني دول أخرى في إطار حملات منح جوازات السفر الروسية في جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق، بما في ذلك أوكرانيا، حيث منح سكان المناطق الانفصالية في دونباس الجنسية الروسية، وكذلك في كازاخستان والمناطق الانفصالية التي تحتلها روسيا في أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية في جورجيا. ودأب المسؤولون الروس على القول مراراً إن دولاً أجنبية تضطهد الناطقين بالروسية والروس من أصول عرقية، بما في ذلك في مولدوفا ودول البلطيق وأوكرانيا. واستخدم الكرملين هذه الادعاءات جزءاً من تبريره الغزو الشامل لأوكرانيا عام 2022، كما يواصل تهيئة الظروف في مولدوفا لممارسة نفوذه والتدخل في الشؤون الداخلية عبر تأكيد حقه في حماية الناطقين بالروسية والروس من أصول عرقية في الخارج. %59 من سكان بريدنيستروفيه يحملون الجنسية الروسية حتى فبراير/ شباط 2024 وحسب سلطات بريدنيستروفيه، فإن قرابة 59% من سكان بريدنيستروفيه يحملون الجنسية الروسية حتى فبراير/ شباط 2024، وهو سيكون عدداً أقل بكثير من حملة الجنسية الروسية في مقاطعتي دونيتسك ولوغانسك الانفصاليتين (شرقي أوكرانيا ضمتهما روسيا إلى جانب زاباروجيا وخيرسون في سبتمبر 2022)، حين قرر بوتين قبل أكثر من أربع سنوات غزو أوكرانيا بحجة الدفاع عنهم. وعليه يبقى من غير الواضح مدى النفوذ الإضافي الذي قد يحققه الكرملين من خلال المرسوم الجديد. من جانبها، نددت الرئيسة المولدوفية مايا ساندو بالمرسوم الروسي. وبينما لم تستبعد أن يكون الهدف إرسال مزيد من القوات للمشاركة في الحرب، أشارت في تصريحات، في 16 مايو الحالي، إلى أن المرسوم "قد يكون وسيلة أخرى لتهديدنا مجدداً، لأن روسيا لا تحبذ الإجراءات التي نتخذها لإعادة الاندماج في القطاعين الاقتصادي والمالي". وحضت المواطنين في بريدنيستروفيه على "التفكير ملياً".  تراجع النفوذ الروسي في مولدوفا وبدأ التراجع الروسي في مولدوفا عام 2020 بعد فشل موسكو في إيصال حلفائها إلى الرئاسة وإثر انتخاب ساندو، ذات التوجهات الأوروبية، رئيسة في الدولة التي كانت جزءاً من الإمبراطورية الروسية، وانتقلت إلى حكم المملكة الرومانية حتى 1940 قبل أن تنضم رومانيا (تخضع) إلى الاتحاد السوفييتي بعد الحرب العالمية الثانية. وفي نهاية 2024 وخريف 2025 أُعيد انتخاب ساندو وفاز حزبها، "العمل والتضامن"، بالانتخابات البرلمانية ودعم مواطنو مولدوفا بأغلبية ضئيلة في استفتاء خيار الانضمام للاتحاد الأوروبي. وجاء ذلك رغم تقارير إعلامية واستخباراتية عن تدخل روسي متعدد الأوجه تضمن حملات تضليل وشراء أصوات عبر وكلاء مثل الملياردير إيلان شور، زعيم "حزب شور" المعارض في مولدوفا، المتهم بقضايا فساد والفار إلى إسرائيل (عام 2019). ومنذ خريف 2025 بدا واضحاً أن بريدنيستروفيه لم تعد قابلة للحياة وفق النموذج الذي عاشت به منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي، حين أعلنت استقلالها ضمن جمهورية انفصالية عن مولدوفا، وبات التغيير الاقتصادي والسياسي أمراً لا مفر منه.    وفي ظل المستجدات في السنوات الأخيرة، فإن بريدنيستروفيه أمام مسارين متناقضين؛ الأول انسحاب القوات الروسية، التي يقدر عددها بـ1500 جندي، وإعادة دمجها ومولدوفا، والمضي نحو الخيار الأوروبي، أو التحوّل إلى ثكنة عسكرية روسية يعتمد اقتصادها بالكامل على روسيا. ولعبت أزمات الطاقة المتلاحقة في المنطقة دوراً مهماً، وبدلاً من الضغط على مولدوفا تسببت بأزمة في السلطات الحليفة لها في تيراسبول، عاصمة بريدنيستروفيه. كما لعب تراجع التعاملات الاقتصادية مع روسيا دوراً في تخفيف النفوذ الروسي في بريدنيستروفيه ومولدوفا عموماً. ومع تعزيز العلاقات التجارية مع الاتحاد الأوروبي تجد تيراسبول مصالح أكبر من الانضمام للاتحاد الأوروبي. والأرجح أن ضغوط موسكو على مولدوفا في موضوع الغاز، العام الماضي (توقف ضخ الغاز الروسي عبر الأراضي الأوكرانية)، لعبت دوراً معاكساً لما أرادته. ووقع الضرر الأكبر على قيادة بريدنيستروفيه المدعومة من روسيا، والتي اضطرت إلى تعويض الغاز عبر الحكومة المركزية في كيشيناو التي بدورها حصلت على دعم أوروبي مكنها من الصمود في ظل أزمة الطاقة حينها بسبب القرار الروسي. ومعلوم أن هناك مجموعتين سياسيتين رئيسيتين في بريدنيستروفيه؛ الأولى من نخبة رجال الأعمال المحليين المتمركزة حول شركة "شريف" القابضة ومالكها الملياردير فيكتور غوشان. والثانية تضم ضباط الأمن الموالين لموسكو بقيادة وزير الخارجية فيتالي إغناتيف. ويمثل الانخفاض الحاد في إمدادات الغاز مشكلة أكبر بكثير بالنسبة للمجموعة الأولى، والتي ستعاني إذا انهار اقتصاد بريدنيستروفيه بالفعل. وفي السنوات الأخيرة، بات اقتصاد بريدنيستروفيه أكثر ارتباطاً بالاتحاد الأوروبي الذي يستأثر بقرابة 80% من صادراتها منذ 2024 حسب الإحصاءات الرسمية. وربما يشكل المرسوم الجديد أداة للضغط على الرئيس الحالي للمنطقة الانفصالية، فاديم كراسنوسيلسكي، والموظف السابق في " شريف"، والذي سعى منذ بداية الحرب على أوكرانيا للتوازن في العلاقات بين موسكو وكييف وكيشيناو والاتحاد الأوروبي.  لعب تراجع التعاملات الاقتصادية مع روسيا دوراً في تخفيف النفوذ الروسي في بريدنيستروفيه ومولدوفا   وفي حين جنّبه هذا التوازن فرض عقوبات غربية على أفراد في الإقليم الانفصالي، فإنه ربما بات الآن في مرمى الكرملين الراغب في مواقف أكثر وضوحاً، ووقف التقارب مع الاتحاد الأوروبي بأي ثمن. وإضافة إلى تسهيل التجنيس، الأرجح أن موسكو تراهن على أن وقف الدعم للقيادة الحالية، وتمركز 1500 جندي تابع لها على أراضي ترانسنيستريا، يعدان عاملين مهمين لزيادة الضغط الشعبي على قيادات الإقليم ودفعها مرة أخرى إلى التقارب مع موسكو.  في المقابل، فإن موسكو ساعدت كيشيناو في جهود إعادة دمج بريدنيستروفيه، عن طريق قطع إمدادات الغاز عن تيراسبول العام الماضي. ويرتبط مصير الإقليم برد كيشيناو التي تواجه خيارات صعبة؛ فالانتظار والاكتفاء بمطالب دبلوماسية لإنهاء الوجود العسكري الروسي لن يحلان المشكلة. كما أنه من غير المجدي عدم اتخاذ أي إجراء بانتظار أن تصبح نوعية الحياة في بريدنيستروفيه سيئة للغاية، بحيث تجعل الدولة الانفصالية غير قابلة للاستمرار، وبالتالي تزيد من جاذبية إعادة الإدماج.  وفي هذه الحالة، هناك مخاوف من تحوّل بريدنيستروفيه إلى مجرد قاعدة عسكرية روسية بعدد قليل من السكان ومدعومة مباشرة من الكرملين. وربما تكمن النافذة الوحيدة لكيشيناو والاتحاد الأوروبي في الاستفادة من قدرة النخبة المرتبطة بمجموعة "شريف" على إبرام الصفقات، خصوصاً أن اقتصاد بريدنيستروفيه مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالاقتصاد المولدوفي والاتحاد الأوروبي لإحباط استراتيجية الكرملين بالضغط على كيشيناو عبر تيراسبول.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية