عربي
تحول الحفل الذي أحيته المطربة التونسية غالية بن علي في باحة بيت السناري الأثري في القاهرة، الاثنين الماضي، إلى تظاهرة ثقافية وحالة من الوجد الجماهيري الصوفي العارم. ورغم الطبيعة النخبوية نسبياً للمشروع الفني الذي تقدمه بن علي، الذي يتكئ في جوهره على القصيدة الصوفية والموشح والأغنية الطربية المركبة، فرض الواقع المشهدي للحفل سياقاً مغايراً تجسد في إقبال حاشد غصت به جنبات المركز الثقافي العريق قبل ساعات من انطلاق الفقرة الأولى.
زحفت الحشود من مختلف الفئات العمرية والخلفيات الثقافية، مع أغلبية كاسحة من الشباب، ليضيق المكان التاريخي بالرواد، وتحولت البوابات الخارجية المؤدية إلى الدرب الأثري إلى ساحة تدافع مشحونة بالشغف والرجاء، حيث وقف العشرات، بل المئات، في طوابير ممتدة، يحدوهم الأمل في اقتناص موضع قدم يتيح لهم الاستماع إلى المطربة الملقبة من جمهورها بـ"سفيرة الوجد".
ومع إعلان الجهات المنظمة اكتمال الطاقة الاستيعابية القصوى للمكان وإغلاق الأبواب لدواعي السلامة، لم ينفض الجمع؛ بل تجمهر العشرات في الخارج، محاولين استراق السمع عبر الأسوار العتيقة، في مشهد أقرب إلى طقوس المريدين على أعتاب المقامات الصوفية المجاورة للبيت. يطرح هذا الحشد الاستثنائي مفارقة فنية تستدعي القراءة والتحليل.
كيف يستميت جمهور معاصر من أجل سماع قصيدة لابن عربي أو نص يفيض بالوجد الصوفي. لا يكمن التفسير في نجومية تقليدية، بقدر ما تكشفه سيكولوجية الاحتياج لدى جيل يعاني سيولة العصر الرقمي وجفافه الروحي، ويبحث عن ملاذات آمنة تمنحه شعوراً بالانتماء إلى جذور عميقة.
كان الحفل بمثابة استفتاء وجداني حي، أثبتت فيه بن علي أن الفن المهتم بالروحانية لا يزال يمتلك قدرة كبيرة على حشد الجماهير، متى ما توفرت له القناة الصادقة. لقد تماهى الجمهور داخل الجدران وخارجها مع نبرات صوت المطربة، وتحول المكان بزواياه المملوكية إلى شريك في صناعة الحالة، فامتزج صدى التاريخ بجغرافيا الصوت البشري.
يتأسس المشروع الموسيقي لغالية بن علي على بنية جغرافية وثقافية شديدة الثراء والتعقيد، إذ يمثل اتجاهها الفني ملتقى لعدة روافد حضارية تتقاطع وتتكامل لتشكل هوية فريدة تتجاوز الحدود الإقليمية الضيقة. إن نشأتها الأولى في بلجيكا منحتها وعياً مبكراً بالأنماط الموسيقية الغربية، وأهمية الانفتاح على آفاق "الجاز" والموسيقى المعاصرة.
في المقابل، أعادها انتقالها إلى جنوب تونس في طفولتها إلى الجذور الأولى، إذ تشربت من الطبيعة الصحراوية طاقة الشجن، واستمعت إلى الحكايات الشعبية والقدود والموشحات التي صقلت وجدانها الفني، ثم اكتملت هذه الدائرة الجغرافية بمصر، التي مثلت لها المستقر الروحي ومركز التدريب على استيعاب المدارس الطربية الكبرى ومحاكاة أساليب التلاوة والإنشاد.
يظهر هذا التشظي الجغرافي بوضوح في قدرتها العالية على صهر القوالب الموسيقية المتنوعة؛ فهي تمتلك مهارة استثنائية في إدماج إيقاعات الجاز والإلكترو مع المقامات الشرقية والقدود الحلبية، مولدة صيغة موسيقية مهجنة وجديدة تتسم في نظر كثيرين بالتماسك والانسجام وتخلو من أي هبوط أو غرائبية تقع فيها عادة محاولات المزج الموسيقي.
لا ينفصل غناء غالية عن الأبعاد البصرية والحركية التي تصاحب أداءها على خشبة المسرح، وهو أمر يعود بالدرجة الأولى إلى خلفيتها الأكاديمية ودراستها للفنون التشكيلية والسينما. إنها تتعامل مع المسرح بوصفه لوحة تعيد رسم تفاصيلها مع كل نص شعري تؤديه، ما يجعل تجربة الاستماع إليها تجربة بصرية موازية ومكملة للحالة السمعية.
تكتسب حركة جسدها على المسرح قدراً كبيراً من الأهمية، لتتحول اليدان وتعبيرات الوجه المسرحية الدقيقة إلى أدوات لترجمة المعاني الصوفية والفلسفية العميقة المتضمنة في القصائد.
يضاف إلى ذلك اختياراتها المدروسة للأزياء التي تمزج فيها بين الفلكلور الشعبي التونسي والمصري وبين التصاميم المعاصرة، وهي اختيارات تعزز حالة التماهي مع التراث وتمنح الأداء مسحة طقسية واضحة، تحول الغناء إلى طاقة تعبيرية شاملة يشارك فيها الجسد والحركة واللون، لتتحول الأغنية من مجرد تطريب صوتي إلى عرض أدائي، يأخذ المتلقي إلى أبعاد روحية وبصرية عميقة الفائدة.
يمثل الحضور الشبابي الكثيف في حفلات غالية بن علي ظاهرة فنية لافتة، فالشريحة الأكبر من جمهورها تنتمي إلى جيل نشأ في حضن التكنولوجيا، وتشكلت ذائقته السمعية في سياق يغلب عليه غناء الراب والإيقاعات الإلكترونية السريعة والنصوص المختزلة. إن اندفاع هذا الجيل نحو تجربة غالية الغنائية يكشف عن رغبة مضمرة في اكتشاف بدائل فنية تمتلك العمق والامتداد الوجداني في مواجهة حالة السيولة الثقافية التي يتسم بها العصر الرقمي.
يجد الشاب المعاصر في صوت غالية بن علي ملاذاً روحياً يوفر له نوعاً من "الروحانية البديلة"، حيث تعيد تقديم نصوص ابن عربي، والحلاج، وجلال الدين الرومي، بصيغة إنسانية تحررية تبتعد عن الجمود والأساليب الوعظية التقليدية، لتتحول القصيدة الصوفية عبر أدائها إلى مساحة رحبة للتساؤل والتحليق، تلائم تطلعات جيل يبحث عن الطمأنينة النفسية والسلام الداخلي وسط صخب الوجود المعاصر وتحدياته الضاغطة.
تحاول غالية بن علي في حفلاتها ردم الهوة بين الماضي والحاضر من خلال منح الأشكال التراثية الكلاسيكية، كأغنيات أم كلثوم والموشحات القديمة، طاقة حيوية تجعلها قريبة من لغة العصر الحالية. لا تقدم هذا التراث بأساليب رتيبة جامدة، وإنما ككائن حي يتنفس ويتفاعل مع قضايا الإنسان وهواجسه. وقد نجح هذا الأسلوب في جعل الجمهور الشاب يشعر بأن هذه الموسيقى تعبر عنه وعن أزماته الوجودية والعاطفية، وتحولت الأغنية الصوفية والطربية في وعيهم من إرث تاريخي بال إلى حاجة يومية ملحة تمنح الحياة معناها.
لا يتوقف الحضور الفني لغالية بن علي عند حدود الأداء الصوتي المتمكن، فهي ليست من أصحاب الاصوات الاستثائية، وإنما يتجاوز ذلك ليدخل في مساحة "التأليف الإبداعي والتأويل الثقافي". إنها لا تمارس فعل الغناء بوصفها "مؤدية" أو مطربة تمتلك صوتاً جميلاً تفرغه في قوالب لحنية جاهزة، وإنما تقدم نفسها باعتبارها صاحبة رؤية نقدية وفلسفية تجاه التراث الإنساني والعربي، وتتعامل مع الموروث الموسيقي والشعري بوصفه مادة خاماً قابلة لإعادة الصياغة والهندسة والتشكيل.
يتجلى هذا المنحى التأويلي في منهجيتها الفريدة لإعادة قراءة التراث الموسيقي العربي، وفي مقدمته أعمال كوكب الشرق أم كلثوم، والموشحات الأندلسية والقدود، وصولاً إلى استلهام روح التلاوة والإنشاد الديني، من دون تقليد أو استنساخ، إذ تعمد إلى تفكيك بنية الأغنية القديمة ثم تعيد بناءها وصياغتها بروح العصر الحاضر.
هذا الفعل التفكيكي يتطلب معرفة عميقة بالجذور المقامية التاريخية، وشجاعة بالغة في تحطيم الهياكل النمطية للأغنية، لتخرج الألحان القديمة من حنجرتها محملة برؤى معاصرة وتوزيعات تعبيرية تمنح المستمع شعوراً بأنه يستمع إلى النص للمرة الأولى، متحرراً من سلطة التسجيلات الأصلية ومستقراً في مساحات تعبيرية جديدة بالكامل.
حين تُنزع النصوص الصوفية من سياق الشروح التاريخية وتُطرح عبرء الموسيقى، تتحول إلى تعبير عن القلق الوجودي
وتبرز شجاعة الاختيار لدى غالية بن علي في جرأتها على تقديم نصوص شعرية بالغة التعقيد والعمق اللغوي والفلسفي، وهي نصوص تتجنبها المسارات الغنائية السائدة تخوفاً من عدم قدرة الجمهور على استيعابها. إنها تختار مجابهة الذائقة السائدة بأطروحات شعرية صوفية وفلسفية لكبار العارفين والمفكرين، وتنجح، عبر طاقتها التعبيرية، في تذليل صعوبة هذه النصوص وفرضها على وجدان المتلقي المعاصر، لتصبح الكلمات المعقدة معها منسابة ومفهومة بفعل أدائها التمثيلي لكل حرف وكل مخرج صوتي، وهو ما جعل الفعاليات التي تقيمها أشبه بحلقات للوجد الصوفي، الذي يُستحضر بالغناء والموسيقى.
تتجاوز الليلة المشهودة في بيت السناري، بكل ما حملته من حشد جماهيري وتدافع وجداني، حدود الحدث الفني العابر لتصبح برهاناً جديداً ضد كل دعاوى التعميم وأوهام قولبة الذائقة العربية، ومحاولات تنميط الجماهير، وسوقها إلى اتجاه واحد بزعم صوابيته الفنية أو مرجعيته الغنائية.
لا تنفصل استجابة الجيل الجديد لهذه التجربة عن التحولات العميقة في أنماط التدين والتلقي الروحي لدى الشباب المعاصر، إذ يمثل هذا الإقبال شكلاً من أشكال الانعتاق من الأطر المؤسسية الجامدة نحو فضاء "الروحانية الفردانية" الحر.
حين تُنزع النصوص الصوفية لابن عربي أو الحلاج من سياق الشروح التاريخية المعقدة وتُطرح عبر الأداء الموسيقي، تتحول إلى قنوات للتعبير عن القلق الوجودي والاغتراب النفسي الذي يفرضه نمط الحياة المعاصر. لا يبحث المتلقي الشاب هنا عن الطرب بمفهومه الكلاسيكي، وإنما يسعى إلى طاقة حركية وصوتية تحاكي إيقاع حياته الداخلي، وتمنحه عالماً ينفصل فيه مؤقتاً عن التكنولوجيا وسلطة الشاشات الرقمية. وهذا النفاذ الوجداني يفسر الإقبال الجماهيري على حفلات غالية بن علي التي تقدم الموسيقى باعتبارها وسيلة علاجية ومعرفية.

أخبار ذات صلة.
كييف تتعرض لهجوم جوي روسي واسع النطاق
العربي الجديد
منذ 21 دقيقة