عربي
رغم الأرقام القياسية التي تعلنها السلطات النقدية في ليبيا بشأن توسع خدمات الدفع الإلكتروني، فإن الطوابير الطويلة أمام المصارف عادت لتفرض نفسها مجدداً قبيل عيد الأضحى، في مشهد يرى فيه محللون انعكاساً لفجوة عميقة بين التحديث التقني والواقع الاقتصادي والاجتماعي في البلاد.
ومنذ ساعات الصباح الأولى، يصطف المواطنون أمام فروع المصارف التجارية في طرابلس ومدن أخرى، على أمل الحصول على سيولة نقدية محدودة، لا تتجاوز في بعض الأحيان ألفي دينار للفرد (سعر الصرف 6.3 دنانير للدولار)، وسط شكاوى من ارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار الأضاحي. وأمام فرع مصرف الجمهورية بمنطقة جنزور غرب طرابلس، قال فاضل التاغدي، وهو موظف حكومي، لـ "العربي الجديد" إن "السيولة لم تعد تختفي فقط، بل أصبحت تظهر في مواسم محددة ثم تنفد بسرعة"، مضيفاً "حتى شراء أضحية أصبح صعباً مع هذه السقوف المحدودة للسحب".
ويقول سالم امهلهل من جنوب طرابلس لـ "العربي الجديد" إن الاعتماد على النقد لا يزال حاضراً بقوة في الأسواق الليبية، خصوصاً في تجارة المواشي والأسواق الشعبية، حيث يفضل كثير من التجار التعامل النقدي بدل وسائل الدفع الإلكترونية. وتأتي هذه المشاهد في وقت يؤكد فيه مصرف ليبيا المركزي تحقيق قفزة في مؤشرات الدفع الرقمي.
وبحسب بيانات رسمية، ارتفع عدد نقاط البيع الإلكترونية إلى أكثر من 170 ألف نقطة، مقارنة بـ 150 ألف نقطة في عام 2025، فيما تجاوز عدد البطاقات المصرفية المفعلة 5.5 ملايين بطاقة. كما سجلت عمليات نقاط البيع نحو 74 مليون عملية بقيمة تجاوزت 9.4 مليارات دينار، بينما بلغت قيمة التعاملات عبر تطبيقات الهاتف المحمول والتحويل الفوري أكثر من 100 مليار دينار خلال الفترة الأخيرة. غير أن هذه الأرقام، وفق محللين، لا تعني بالضرورة تراجع الاقتصاد النقدي، بل قد تعكس اتساع استخدام الأدوات الإلكترونية بالتوازي مع استمرار الاعتماد الكبير على السيولة الورقية.
وقال المصرفي معتز هويدي، يعمل بأحد المصارف التجارية في طرابلس، إن الطلب على النقد يرتفع بصورة حادة قبل الأعياد "لأن الاقتصاد الليبي لا يزال قائماً بدرجة كبيرة على التداول النقدي، ولأن المواطنين لا يشعرون بالاطمئنان الكامل تجاه استقرار الخدمات الإلكترونية".
وأضاف لـ "العربي الجديد" أن "الكثير من العملاء يسحبون أموالهم فور نزول المرتبات أو توفر السيولة، خوفاً من تعطل الأنظمة أو نفاد النقد لاحقاً"، معتبراً أن أزمة الثقة ما زالت أحد أبرز تحديات القطاع المصرفي. ويرى المحلل أبو بكر الهادي أن الأزمة تتجاوز مسألة السيولة إلى بنية الاقتصاد الليبي نفسه، الذي يعتمد على الإنفاق الاستهلاكي والقطاع غير المنظم أكثر من اعتماده على الإنتاج والخدمات المالية الحديثة.
وأوضح لـ "العربي الجديد" أن التحول الرقمي في ليبيا "يتقدم تقنياً بوتيرة أسرع من التحول الثقافي والاقتصادي"، موضحاً أن "المواطن قد يمتلك بطاقة مصرفية وتطبيقاً إلكترونياً، لكنه في النهاية يحتاج إلى النقد لأن السوق لا يزال نقدياً بطبيعته". وأضاف أن المناسبات الدينية، مثل عيد الأضحى، تكشف بوضوح حدود التحول الإلكتروني، إذ ترتفع الحاجة إلى السيولة في قطاعات يصعب فيها استخدام وسائل الدفع الحديثة، مثل أسواق المواشي والنشاط التجاري غير الرسمي.
ورأى المحلل المالي عبد الناصر الميلودي أن استمرار الطوابير رغم توسع الخدمات الإلكترونية يعكس أيضاً تراجع القوة الشرائية وارتفاع معدلات القلق الاقتصادي، ما يدفع المواطنين إلى التمسك بالنقد باعتباره "وسيلة أمان" في ظل بيئة مالية غير مستقرة بالكامل.
وقال لـ "العربي الجديد" إن السلطات النقدية حققت تقدماً واضحاً في تحديث أنظمة الدفع وتقليص الاعتماد على النقد مقارنة بالسنوات الماضية، لكن الطريق نحو اقتصاد رقمي فعلي لا يزال طويلاً، في ظل تحديات تتعلق بالثقة والبنية التجارية وضعف الشمول المالي. وتُظهر بيانات مصرف ليبيا المركزي أن أزمة الاعتماد على النقد لا تزال تتعمق، رغم التوسع في أدوات الدفع الإلكتروني.
فقد سجّل حجم العملة المتداولة خارج الجهاز المصرفي في ليبيا ارتفاعاً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة، ليبلغ نحو 59 مليار دينار ليبي (ما يعادل 9.25 مليارات دولار) بنهاية عام 2025، بزيادة قدرها 22.9% مقارنة بنحو 48 مليار دينار في 2024، و43.1 مليار دينار في 2023.

أخبار ذات صلة.
مايلز ديفيس... مضادات الذكاء الاصطناعي
العربي الجديد
منذ 12 دقيقة
ألمانيا مهتمة بالطاقات المتجدّدة في الجزائر
العربي الجديد
منذ 12 دقيقة
معركة الازدواجيّة
العربي الجديد
منذ 21 دقيقة