Arab
ليست الحرية أو العدالة أو الكرامة أو حقوق الإنسان، أو الديمقراطية هي التي تخلق الفرق بين مثقف وآخر، بل الطريق إلى هذه الحرية، وهذه العدالة، أو حقوق الإنسان، أو الديمقراطية، والمسألة التي تواجهنا جميعاً، وتواجه المثقفين على وجه الخصوص هي أن تلك الطريق لا تمر في بلادنا إلا من خلال السلطة، وهذا يعني، أن الموقف من السلطة، في الولاء أو المعارضة، هو الذي يصح أن يكون معيار الصدق والنزاهة في الإيمان بكل تلك القيم، أو الدعوة إليها، أو الدفاع عنها.
وأما السلطة التي اعتدناها في بلادنا، فليست رئيساً أو ملكاً مستبداً فحسب، بل هي القوة المهيمنة التي تريد تثبيت، الحياة أو تغييرها، بإرادة فردية أو جماعية، وفق فكرة واحدة تمنع التعدد، وتمنح المكافأة للمتشابه. وفي كتاب باكونين "السلطة والحرية" أمثلة توضح ببساطة شديدة معنى استقلال أي إنسان يحترم كرامته، عن السلطة، بمن فيهم أولئك الذين يؤيدونها. وفي تقديره أن السلطة الشرعية الوحيدة، شرعية لأنها عقلانية، ومتسقة مع الحرية. ولكن مهما يكن الاحترام الذي يكنه أي فرد، لأي سلطة، قوياً، فإن المنطق يقول إن عليه ألا يمحض تلك السلطة إيماناً مطلقاً.
لماذا؟ "لأن مثل هذا الإيمان سيقضي على عقله وحريته، وسيحوله إلى عبد غبي، إلى أداة".
ليس جميع المثقفين السوريين مع حرية التظاهر وحرية الرأي
حسناً إذن، يمكن أن نقول إن المسافة بين الفرد والسلطة، أو بين المثقف والسلطة، كما يمكن أن نسحب الكلام على طرق المثقفين، هي التي سوف تبين طبيعة المثقفين، غير أن تعريفاً آخر، تضعه الوقائع الجارية في سورية، يحدد بنفسه، طرق المثقف، وهو الموقف من الحرية نفسها، والعدالة، وحقوق الإنسان، والديمقراطية. وفي هذا الاختبار تظهر تلك الخلافات والتباينات في طرق المثقفين. فإذا قاربنا الحريات العامة، فليس الجميع في سورية مع حرية التنظيم، وليس جميع المثقفين مع حرية التظاهر، ولا مع حرية الرأي أيضاً، خاصة حين يكون رأيك مختلفاً عن رأي السلطة التي يناصرها، وثمة من هو مستعد من بين هؤلاء المثقفين لخوض المعارك الكلامية دفاعاً عن موقف السلطة الحاكمة من هذه الخيارات التي تحتاج إلى الحرية، وفي هذه الحالة فإن هذا المثقف على استعداد للدفاع عن السلطة ضد الحرية.
ومن أكثر أشكال التبعية والالتحاق بالسلطة، والتخلي عن القناعات الشخصية، وضوحاً، أن عدداً كبيراً من المثقفين والناشطين السوريين في السياسة والحقوق سابقاً امتنعوا طوعاً عن ذكر الديمقراطية في بياناتهم، أو كتاباتهم، لأنها لا تعجب السلطة الحاكمة في سورية، بل سمعت ورأيت من يدعوني شخصياً إلى التخلي عن هذه الدعوة اليوم، لأن الديمقراطية تثير حفيظة سلطة ناشئة لا تحب الكلمة، أو حضور السياسات الديمقراطية في الحياة العامة السورية، بينما يريد هو أن نؤيدها، ونساعدها على تثبيت حكمها. وذريعته هي ذريعة الضعفاء الشهيرة: أعطوا القوي فرصة.
كان باكونين يتحدث عن أن الفرد الذي يمحض السلطة إيماناً مطلقاً، إنما يتخلى عن عقله. عن ماذا يتخلى الفرد المثقف الذي يمحض السلطة تأييداً مطلقاً لسياسات مخالفة لآرائه، ومعتقداته، التي كان يدافع عنها في كتاباته، أو يدعو إليها؟
* روائي سوري
